








وكل جمعة كانوا يلتقون في المسجد الوحيد ليصلوا ويتضرعوا للإلهالواحد. حتى جاءهم القتلة فأفسدوا عليهم وحدانيتهم وقتلوهم باسم رب آخر.
لكأنهممنذ أجيال يكررون الحياة ذاتها, ويموتون حربا بعد أخرى نيابة عن الآخرين, لوجودهمفي المكان الخطأ نفسه.
لكأنهم جاهدوا ضد فرنسا ودفعوا أكبر ضريبة في قسمةالاستشهاد, فقط لتكون لهم بلدية كتب عليها شعار" من الشعب والى الشعب" يرفرف عليهاعلم جزائري, وتتكفل بتوفير قبر لجثثهم المنكل بها بأيد جزائرية. تتركهم خلفك صامدينحتى الموت المقبل, في أكواخهم الحجرية البائسة مع مواشيهم الهزيلة.
هؤلاء الذينلا تكاد تشبههم في شيء, لا صور لأسلافهم وأجدادهم تغطي جدران أكواخهم كما في بيتك, لأنهم منحدرون من سلالة التراب. تود لو ضممت رائحة عرقهم إلى صدرك, لو صافحت بحرارةأيديهم الخشنة المشققة. ولكنهم لا يمدون لك يدا. وحده الموت يمد لك لسانه حيثماوليت وجهك.
أثناء مغادرتي, انتابني حزن لا حد له. فقد فاجأني منظر موجعلغابة كانت على مشارف تلك القرية, وتم بعد زيارتي الأخيرة حرقها حرقا تاما من قبلالسلطات , لإجبار الإرهابيين على مغادرتها, بذريعة حماية المواطنين منالقتلة.
في كل حرب أثناء تصفية حساب بين جيلين من البشر, يموت جيل من الأشجار, في معارك يتجاوز منطقها فهم الغابات.
"من يقتل من؟" مذهولا يسأل الشجر. ولا وقتلأحد كي يجيب جبلا أصبح أصلع, مرة لأن فرنسا أحرقت أشجاره حرقا تاما كي لا تتركللمجاهدين من تقية, ومرة لأن الدولة الجزائرية قصفته قصفا جويا شاملا حتى لا تتركللإرهابيين من ملاذ.
باستطاعتنا أن نبكي: حتى الأشجار لم يعد بإمكانها أن تموتواقفة.
ماذا يستطيع الشجر أن يفعل ضد وطن يضمر حريقا لكل من ينتسب إليه؟
وبإمكان البحر أن يضحك: لم يعد العدو يأتينا في البوارج. إنه يولد بيننا فيأدغال الكراهية.
لا أدري لماذا أصابني منظر الأشجار المحروقة على مد البصر, بتلك الكآبة التي تصيبك لحظة تأبين أحلامك.
لكأن شيئا مني مات باغتيال تلكالأشجار. أعادتني جثثها المتفحمة إلى زمن جميل قضى فيه آلاف الشباب من جيلي خدمتهمالعسكرية في بناء " السد الأخضر".
سنتان من أعمار الكثيرين ذهبتا في زرع الأشجارلحماية الجزائر من التصحر. كان الشعار الذي يطاردك في كل مكان آنذاك: "الجزائرييتقدم والصحراء تتراجع".
أكان كل ذلك نكتة؟!
مشتعلين كنا بزمن النفط الأول. وكانت لنا أحلام رمال ذهبية, تسربت من أصابع إلى جيوب الذين كانوا يبتلعون البلادويتقدمون أسرع من لهاث الصحراء.
يا لسراب الشعارات! إنها خدعة التائه بين كثبانوطن من الرمال المتحركة, لا تعول على وتد يدق فيه, ولا على واحة تلوحمنه!
هوذا النصف الخالي.. كيف وصلنا إليه؟ بل كيف اخترقنا الرمل وتسرب إلىكل شيء؟ لم نعد على مشارف الصحراء, بل أصبحت الصحراء فينا. إنه التصحرالعاطفي.
حدث ذلك ذات ديسمبر 1978 عندما ترك لنا بومدين على شاشة التلفزيونابتسامته الغامضة تلك , ورحل.
كانت ملامحه أقل صرامة من العادة, ونظرته الثاقبةأقل حدة, ويده التي تعود أن يمررها على شاربيه وهو يخطب, كانت منهكة لفرط ما حاولترفع الجزائر من مطبّات التاريخ.
لم يقل شيئا. فلم يكن عنده يومها ما يقوله, هوالذي قالوا له في موسكو - التي قصدها للعلاج من مرض نادر وسريع الفتك- إن موته حتميوعاجل. من الواضح أنه عاد كحصان سباق مجروح ليموت بين أهله, وليختبر حبنا له, بعدأن عانى في بداياته من الجفاء العاطفي لشعب كان يفضل عليه طلّة بن بلّة.. وعفويةطيبته.
أصوله الريفية التي أورثته الحياء, وحياته النضالية التي صقلت كبرياءهجعلته يصر على هيبة الموت وحشمته, فمات كبيرا ميتة تشبه غموض شخصيته السريةالمعقدة.
ذات 29 ديسمبر, وبينما العالم يحتفل بأعياد الميلاد, كنا نودع جثمانالرجل الذي ولدت على يده مؤسسات الجزائر وأحلامها الكبرى, الرجل الذي كان لنزاهتهلا يمتلك حتى بيتا, ولا عرفنا له أهلا, أو قريبا. ولكنه ترك لنا أجهزة وصيارفةتربوا تحت برنسه, سيتكلفون بقمع أحلامنا وإفقارنا , ورهن مستقبلنا لعدة أجيال . رحلمودعا بجداول الدموع التي لم يدري أنها ستتحول بعده إلى أنهار دماء.
بكاه الناسكفاجعة تخفي مؤامرة. لكأن موته إشاعة ومرضه مكيدة. فالجزائري تعلم من حكم بومديننفسه ألا يصدق أن ثمة موتا طبيعيا, عندما يتعلق الأمر برجال السياسة.
ولذا رحلمكفنا بالأسئلة, ككل رجالات الجزائر الذين لفقت لهم ميتات وانتحارات وتصفياتانتقامية عابرة للقارات.. وللتاريخ.
في الواقع, ثمة أمران لا يصدقهما الجزائري: الموت بسبب طبيعي, والثراء من مال حلال. فآلية التفكير لدى الجزائري الذي كان شاهداعلى عجائب الحكم, تجعله يعتقد أن كل من
█║S│█│Y║▌║R│║█









مات قتل, وكل من أثرى سرق, وبسبب هذا الريبالجماعي انهار السد الأخضر للثقة, وابتلعتنا كثبان الخيانات.
يحدث أن أحنإلى جزائر السبعينات. كنا في العشرين, وكان العالم لا يتجاوز أفق حينا, لكننا كنانعتقد أن العالم كله كان يحسدنا . فقد كنا نصدر الثورة والأحلام, لأناس مازالوامنبهرين بشعب أعزل ركعت أمامه فرنسا.
العالم كان جهاز تلفزيون يبث صورا بالأسودوالأبيض نتحلق حولها كل مساء, غير مصدقين معجزة ذلك الصندوق العجيب.
ولأننا كناأول من أدخل التلفزيون إلى الحي, كانت الجارات تتقربن إلينا بإرسال طبق من الحلوىعصرا مع أولادهن, كي نسمح لهم بمشاهدة التلفزيون معنا.
كانت لنا أنماط حياةمتداخلة بحكم فرحة الإستقلال التي لمت شملنا, وجعلتنا نتعلم المساكنة دون أن ننعمبالسكينة, في بناية وأصبحت" غنيمة استقلال" بالنسبة للبعض, وضريبة نزاهة وحماقةبالنسبة لأبي, الذي بحكم مسؤوليته عن توزيع الأملاك الشاغرة التي تركها الفرنسيونبعد الإستقلال , أصر على الإقامة في شقة للإيجار غير دار إنه سيقضي قيها ما بقي منعمره, ولن يغادرها إلا بعد ثلاثين سنة إلى قبره, بعد أن تدهورت صحته, بالسرعة التيتدهورت بها حالة البناية, وتعطل به دولاب القدر كما تعطل مصعدها نهائيا بعد السنواتالأولى للإستقلال, ليقضي شيخوخته في لهاث صعود طوابقها الخمسة.
في ذلك الزمنالأول لٌلإستقلال, بينما كان الجيران مشغولين بالتفرج على التلفزيون.. وعلينا, كنتمن الجانب الآخر للشقة, أترقب بصبر مراهق, أن تنفح نافذة تلك السيدة البولونية, التي كانت تسكن مع زوجها الذي حضر مع مئات المهندسين التقنيين من الدول الاشتراكية, للنهوض بـ " الثورة الصناعية" في الجزائر, جاهلين الثورات الصغيرة الأخرى التيسيحدثونها في حياة الفتيان.. والفتيات.
كانت الجزائر, الخارجة لتوها من الحرب, صبية تقع في حب من جاؤوا من كل العالم لتهنئتها وإدارة شؤونها, وتعرف مغامراتهاالعاطفية الأولى العابرة للقارات والجنسيات واللهجات.. من خلال آلاف قصص الحب التيولدت بينها وبين الفلسطينيين والعراقيين والمصريين واللبنانيين الذين جاؤوا ليعملواأساتذة ومهندسين ومستشارين, والذين وقعوا تحت سطوة اسمها, كما ليقتسموا معها بعضشرف تاريخها, وتقتسم معهم ما فقدت من عروبتها.
بالنسبة لي, جاء الحب بولونيا. بحكم الجغرافية التي وضعت تلك المرأة الشقراء في مرمى بصري, في بناية تطل على شقتنامن الجانب الآخر, ولكن بمسافة تحترم وجاهة ذلك الشارع الذي هندسته فرنسا بما يليقبالمباني الرسمية المجاورة له من فخامة.
شاهدتها ذات صباح ترتدي روب الحمامالأبيض, وتقوم بتجفيف شعرها أمام المرآة. لم يكن يبدو منها شيئا عاريا. ربما لأنهاكانت تدري أن العيون تتجسس عليها. لكنها كانت شهية بشعرها المبلل وحركاتها المغريةعن غير قصد.
يومها اختزنت ذاكرة فتوتي صورتها, لتصبح مع العمر رمزا للغوايةالنسائية التي أصبح من شروطها عندي ألا تبدو المرأة عارية.. وإنما تظل مشروع عريموارب.
كانت, ككل " الرفيقات" من الكتلة الاشتراكية, مشتعلة بجميع القضايا التيكان يقذفها بركان السبعينات من كل القارات.
وكنت في عمر الاكتشافات الأولى, مشتعلا بها, وبتلك القضايا العالمية الأكبر من أن تحملها نملة بشرية مثلي.
عندما تزوجت بعد ذلك بعدة سنوات, وجدتني أقيم في غرفة نوم. مقابلة لغرفة كانتغرفتها. كثيرا ما تأملت بيتا كان لسنتين مختبر تجاربي الأولى, ومرتعا لجنوني, قبلأن يضعه القدر مقابلا لما سيصبح حياتي الزوجية الفائقة التعقل.. والبرودة.
دوما, ثمة امرأة أولى, تأتيها فتى مرتبكا خجولا, فتتعلم على يدها أن تكون رجلا, ثم أخرىبعد ذلك بسنوات, ستبهرها بما تعلمته, وتختبر فيها سطوة رجولتك.
وحدها زوجتك, علىجسدك أن يكون أبله وغبيا في حضرتها. فإن كنت اكتسبت خبراتك قبلها, ستتحاشىاستعراضها أمامها عن حياء. وإن كنت كسبتها بعد الزواج, ستتفادى استعراضها عن ذكاء. ولذا يتسرب إكسير الشهوة في ما بينكما, وتسقط الأجساد في وهدة التآخي.
كانت " أولغا" أول "حفرة نسائية" وقعت فيها. ولم أعد أذكر الآن من قال: "يسقط الرجل فيأول حفرة نسائية تصادفه. فتاريخ الرجل هو تاريخ السقوط.. في الحفر".
لكنني كثيراما تذكرت ضاحكا قول جدتي أثناء حديثها عن أبي الذي كثيرا ما بذر ثروته في النساءبسبب "فخاخ" تفنن في نصبها له :" من تمسك بأذناب البقر , رمين به فيالحفر!".
ليست الشهوة, بل اليتم, ما يلقي بفتى في أول حفرة نسائية يصادفها, بحثا عن رحم يحتويه, عساه ينجبه من جديد.
قبل "أولغا" لم تكن تعنيني النساء, بقدر ما كانت تعنيني الحيوانات .. والأشياء.
النساء جميعهن كن يختصرن في جدتيلأبي, المرأة التي احتضنت طفولتي الأولى مذ غادرت سرير أمي رضيع وانتقلت للنوم فيفراشها لعدة سنوات.
█║S│█│Y║▌║R│║█









على فراشها الأرضي, بدأت مشواري كعابر سرير ستتلقفه الأسرةواحدا بعد الآخر حتى السرير الأخير.
ثمة شيء في طفولتك حدث. وبدون أن تعيذلك , كل سيء سيدور حوله ,إلى آخر لحظة من حياتك.
لأنك لم تناد امرأة يوما " أمي" ليست علاقتك مع اللغة وحدها التي ستتضرر, بل كل علاقاتك بالأشياء.
مثل "روسو" يمكن أن أختصر حياتي بجملة بدأ بها سيرته الذاتية في كتابه " اعترافات" : " مجيئي إلى الحياة كلف أمي حياتها. وكان ذلك بداية ما سأعرفه من مآس".
منذ يتميالمبكر, وأنا أقيم علاقة أمومة مع ما يحيط بي. أختار لي كل فترة أما حتى اليوم الذيتصدمني فيه الأشياء, وتذكرني أنني لست طفلها.
الأمومة, اكتشفتها, كما عثرأرخميدس على نظريته وهو داخل حمامه. فذلك الوعاء الأبيض الكبير الذي يحتويني فيفضاء مائي كجنين, حدث أن ولّد في داخلي إحساسا غريبا, جعل من مغطس الحمام أمي. فقدكنت أقضي فيه كل وقتي رافضا مغادرته خشية أن يفرغ من مائه, كما أتوقع أن تكون قدفرغت دماء أمي وهي تنزف بي لحظة الولادة.
يحدث للأمومة أن تؤلمني, حتى عندما لاتكون لها قرابة بي, كتلك القطة التي كنت في طفولتي أطعمها, وأحنو عليها, وأجلسها فيحجري وأنا أطالع كتبي المدرسية, ثم أصبحت فجأة شرسة, ترفض أن أحملها أو أمرر يديعليها.
ذات يوم, وقد تركت آثار مخالبها على يدي, نهرتني جدتي, وأمرتني أن أتركهاوشأنها, لأنها حبلى ولا تحب أن يقربها أحد. فبكيت لأنني أدركت أنه في يوم ما سيصبحلها صغارا حقيقيون, وستتخلى عني.
بعد ذلك رأيتها ترضعهم, تلعقهم, تتفقدهم واحداواحدا . وعلى كثرتهم لا تفرط في واحد منهم, وتظل تبحث عنه لتعود به محمولا من عنقهبين فكيها.
اليتم, كالعقم, يجعلك تغار من حيوان, وتطالب الله بحق التساوي بهمادمت أحد مخلوقاته.
أسئلتي الوجودية بدأت مع القطة: كيف تستطيع القطة أنتحمل صغيرها بين أنيابها من دون أن تؤذيه؟ وهل حقا هي تخفي صغارها عن أبيهم الذييحدث عندما يجوع أن يأكلهم؟ وهل الآباء جميعهم قساة وغير مبالين؟ وهل ثمة قطط أكثرأمومة من نساء يحملن أثداء تذر اللبن وتضن بالرحمة؟
بعد ذلك, عندما كبرت, وخبرتيتم الأوطان, كبرت" أسئلة القطة" وأصبحت أكثر وجعا:
هل يمكن لوطن أن يلحقبأبنائه أذى لا يلحقه حيوان بنسله؟ هل الثورات أشرس من القطط في التهامها لأبنائهامن غير جوع؟ وكيف لا تقبل قطة, مهما كثر صغارها, أن يبتعد أحدهم عنها , ولا ترتاححتى ترضعهم وتجمعهم حولها, بينما يرمي وطن أولاد إلى المنافي والشتات غير معنيبأمرهم؟ وهل في طمر أوساخهم تحت التراب, هي أكثر حياء من رجال يعرضون بدون خجل, عاربطونهم المنتفخة بخميرة المال المنهوب؟
لم أبحث لهذه الأسئلة عن جواب, فـ " الأجوبة عمياء, وحدها الأسئلة ترى".
الفصل الثالث
باريس ذات أيلول!
كنا فيخريف كأنه شتاء. قررت بدءا أن أنشغل بتبديد الحياة, بخمول من توقف لأول مرة عنالجري, فحلت به متاعب عمر.
الأربعون. وكل ذلك الهدر, تلك الانكسارات , الخسارات, الصداقات التي ما كانت صداقات, الانتصارات التي ماكانت انتصارات, وتلك الشهوات... التي استوت على نار الصبر الخافتة.
كنت أود لو استطعت اختبار طيش الغرباء. فيصباحاتي المتأخرة , أحلم بنساء لا أعرف لهن أسماء, يشجعنك بدون كلام على اقتحامهن, نساء عابرات لضجر عابر. ولكن كيف تعبر ممالك المتعة, وقد سلبك الرعب الهارب منهجواز مرور رجولتك, وعليك أن تعيش بإثم الشهوات غير المحققة.
لكأنني, في كل سرير, كنت أعد حقائبي لأسفار كاذبة نحو صدرها, أتململ في الحزن, بحثا عن حزن أنثوي أرحم, أستقر فيه.
برغم سعادتي بالسفر, كان الحزن حولي يفخخ كل ما يبدو لغيري فرحا, بدءا بتلك الجائزة التي تجعلك تكتشف بسخرية مرة أنك تحتاج إلى أسابيع من مهانةالإجراءات, كي تتمكن من السفر إلى باريس, لاستلام جائزة صورة لا يستغرق وصولهابالإنترنت إلى العالم كله, أكثر من لحظة.
ذلك أن "فيزا الصورة" هي تأشيرةللصورة, لا لصاحبها. وعولمة الصور لا تعني منح البشر حق الأشياء في التنقل!
لاوقت لك لتسأل نفسك " من الأهم إذن : أنت .. أم صورة التقطتها؟".
█║S│█│Y║▌║R│║█









مشغول أنت. مدينة برغبات صاخبة تنتظرك. سلالم معدنية تتلقفك لتقذف بك نحو قاطرات المترو, فتختلط بالعابرين والمسرعين والمشردين, ويحدث وسط الأمواج البشرية, أن ترتطمبموطنك. لا ذاك الذي يكنس شوارع الغربة. أو عاطلا عن الأمل, يتسكع مثيرا للحذروالريبة. إنما وطنا آخر كان مفخرتك, وأجهز القتلة على أحلامه.
بعد ذلك ستعرف أنالجزائر سبقتك إلى باريس, وأن تلك الرصاصة التي صوبها الإرهابيون نحو رأسها, جعلتنزفها يتدفق هنا بعشرات الكتاب والسينمائيين والرسامين والمسرحيين والأطباءوالباحثين, وأن الفوج الجديد من جزائريي الشتات, قام بتأسيس عدة جمعيات لمساندة مابقي في الجزائر من مثقفين على قيد الموت في قبضة الإرهاب.
بعد وصولي بأيامقصدت المركز الثقافي الجزائري تسقطا لأخبار الوطن. ورغبة في الإطلاع على الصحافةالجزائرية التي لا تصل كل عناوينها إلى فرنسا.
كان المبنى على جماله موحشا كضريحشيد لتأبين فاخر للثقافة بذريعة الاحتفاء بها. أو لعله شيد بذريعة وهب الاسترزاقبالعملة الصعبة , للذين في الزمن الصعب كسدت بضاعتهم في دكاكين الوطن.
ماكانتبرودته تشجع على تصفح هموم البلاد. ولم ينقذني يومها من الصقيع, سوى ملصقات كانتتعلن عن نشاطات ثقافية متفرقة في باريس.
اكتفيت بأن أسجل في مفكرتي تاريخ عرضإحدى المسرحيات, وكذلك عنوان الرواق الذي يقام فيه معرض جماعي لرسامينجزائريين.
ماكنت لأظن وأنا أقصد بعد يومين ذلك الرواق يوم الافتتاح, أن كلالأقدار الغريبة ستتضافر لاحقا انطلاقا من ذلك المعرض, لتقلب قدري رأسا علىعقب.
كانت القاعة تستبقيك بدفئها, كوقوفك تحت البرد, أمام عربات القسطل المشويفي شوارع باريس. دفء له رائحة ولون وكلمات, صنعها الرسامون أنفسهم لإحراجك عاطفيا, بفضلهم بين اللوحات بصور المبدعين الذين اغتيلوا , وبوضعهم علما جزائريا صغيرا جوارالدفتر الذهبي, وإرفاقهم دليل اللوحات بكلمة تحثك ألا تساهم في اغتيالهم مرة ثانيةبالنسيان, وإهمال من تركوا خلفهم من يتامى وثكالى.
تشعر برغبة في البكاء. تكادتندم على زيارتك المعرض. أسافرت حتى هنا لتجد كل هذه الصور في انتظارك؟
احتدمالنقاش يومها بين بعض الزوار, حول من يقتل من في الجزائر. كأنهم كانوا ينتظرون أنيلتقوا كي يختلفوا. تعذر علي مجادلتهم. وتعذر على مزاجي غير المهيأ لمزيد من الحزنتجاهل ذلك الكم من الاستفزاز المتراشق به بين الجمل.
لم أطل البقاء. قررت العودةلاحقا في يوم من أيام الأسبوع.
أذكر أنني قضيت عدة أيام قبل أن أقصد ذلكالرواق ذات ظهيرة, لوجودي في محطة مترو غير بعيدة عنه.
كان كل شيء فيه يبدويومها هادئا ومسالما. لا شيء من ضجيج الافتتاح. عدا صخب اللوحات في خبث تآمر صمتهاعليك.
رحت أتجول في ذلك المعرض, عندما استوقفت نظري مجموعة لوحات معروضة تمثلجميعها جسورا مرسومة في ساعات مختلفة من النهار بجاذبية تكرار مربك في تشابهه. كلثلاثة أو أربعة منها للجسر نفسه:
جسر باب القنطرة, أقدم جسور قسنطينة, وجسر سيديراشد بأقواسه الحجرية العالية ذات الأقطار المتفاوتة, وجسر الشلالات مختبئا كصغيربين الوديان. وحده جسر سيدي مسيد, أعلى جسور قسنطينة, كان مرسوما بطريقة مختلفة علىلوحة فريدة تمثل جسرا معلقا من الطرفين بالحبال الحديدية على علو شاهق كأرجوحة فيالسماء.
وقفت طويلا أمام لوحات لها عندي ألفة بصرية, كأنني عرفتها في زمن ما, أوشاركت الفنان في رسمها. كانت على بساطتها محملة بشحنة عاطفية, تنحرف بك إلى ذاتك, حتى لكأنها تخترقك, أو تشطرك.
فكرت, وأنا أتأملها, أن ثمة جسورا , وأخرى تعبرنا, كتلك المدن التي نسكنها, والأخرى التي تسكننا, حسب قول خالد بن طوبال في " ذاكرةالجسد".
لا أدري كيف أوصلني التفكير إلى ذلك الكائن الحبري الذي انتحلت اسمهصحافيا لعدة سنوات. وكنت أوقع مقالاتي محتميا به, من رصاص الإرهابيين المتربص بكلقلم, واثقا بأن هذا الرجل لم يوجد يوما في الحياة, كما زعمت مؤلفة تلكالرواية.
الفكرة التي راودتني لفرط حبي لشخصيته, ولتشابهنا في أشياء كثيرة, حتى إنه لم يكن يختلف عني سوى في كونه يكبرني بجيل, وإنه أصبح رساما بعدما فقدذراعه اليسرى في إحدى معارك التحرير, بينما , بدون أن أفقد ذراعي, أصبحت أعيش إعاقةتمنعني من تحريكها بسهولة مذ تلقيت رصاصتين أثناء تصوير تلك المظاهرات.
فكرتبسخرية أنه قد يكون شخص آخر قرأ ذلك الكتاب, وراح هذه المرة يسرق لوحات الرجل, ويرسم تلك الجسور التي كان خالد بن طوبال مولعا بها, مستندا إلى وصفها في تلك
█║S│█│Y║▌║R│║█
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 3 (0 من الأعضاء و 3 زائر)
مواقع النشر (المفضلة)