








ألقوا إليه على مسافة قرنين بتهمتها.
جميعها دفعتها في اتجاهالمصب.
أنا أثق في براءة الأنهار, ولا أشك سوى في النوايا الطيبة للجسور. شكي فيالشعارات الكبيرة للثورات. فعندما أعطت الثورة الفرنسية اسم أحد خطبائها لجسر, كانفي الأمر خدعة ما.
ميرابو الذي وقف في البرلمان الفرنسي ليقول جملته الشهيرة " نحن هنا بإرادة الشعب ولن نغادر إلا على أسنة الرماح". أكان يدري أنه بعد قرنينسيكون شاهداً على حرب ضد إرادة شعب آخر؟
أغلقت النافذة, غير دار أين أمضي بقاطرةعمري المزدحمة بأحزان الآخرين. حيث أحل تطل شرفتي على فاجعة. وإذ بي حتى هنا فيباريس, كمن لفرط جوعه لا يعرف الجلوس إلى مائدة الحياة العامرة. أصنع تعاستي منذاكرة الفقدان حيناً,. وحيناً من ذاكرة الحرمان.
أخذت حماماً, ونزلت أكتشف الحيالذي أقام فيه خالد لسنوات. ذلك أنني مذ دخلت بيته استعاد زيان اسمه الأول, كأبطالبول إستر الذين يلتقطون دائماً شيئاً من الطرقات, كنت أتسقط أخباره, أتعقب آثاره. أجمع غباره في الشوارع, متقصياً, سائلاً كل مكان قد يكون عنى له شيئاً, مستعيناًبتلك الرواية, كما لو كانت دليلاً سياحياً لمعالم سبقني إلى زيارتها.
كنت أختبرالافتتان ببطل رواية, وأسطو على سحره متماهياً معه حيث أمر.
أكنت أتعقب آثاررجل.. أم أتشمم رائحة حب؟
كانت المسافات تبدو واهية بيني وبينه. أحياناً كنتأعيش المواقف, كما لو كنت هو. مقتفياً أثره في الأسرة والشوارع والمعارض والمقاهي. كنت أضاجع نساءه في سرير كان سريره. أعطي مواعيد في المقهى الذي كان يرتاده. أتأملجسر ميرابو من شرفة بيته, أحتسي قهوة أعددتها في مطبخه, أجالس أنثاه الرخاميةالمفضلة, وفي المساء أخلد إلى النوم على سرير ترك عليه بعض رائحته.. وكثيراً منأرقي. أفكر طويلاً في تلك المرأة نفسها التي منعته منذ سنوات من النوم. أليس الأمرغريباً حقاً؟
لأسباب أجهلها, ما زلت على لهفة الانتظار ويأس اللقاء.
تلكالمرأة التي بذريعة تعقب غيرها ما كنت أقتفي أثر سواها, سأضع اليوم يدي على مكمنسرها. فقد أهدتني مصادفات الحياة الموجعة موعداً مع رجل ينام في سرير بمستشفى(Ville juive ) ادعت أنه لا يوجد سوى في كتابها.
ذلك أن أبطال الروايات غالباً مايمرضون.. بسبب مؤلفيهم!
كنت أعي أن موعدي مع زيان, أياً كان نوعية العلاقةالتي ستتم بعده, والنتائج التي ستنجم عنه, هو حدث في حياتي. وعلي أن أستعد له بذلكالقدر من الحيطة العاطفية, حتى لا أفسده بعد أن أخذ مني الأمر شهراً في مطاردةفرانسواز لإقناعها بضرورة أن أتعرف عليه.. ولو على سرير المرض.
الفصل الخامس
اشتريت باقة وردوقصدته.
تحاشيت اللون الأبيض. إنه لا يليق برسام كرس حياته لإلغاء هذا اللون. تفاديت أيضاً أناقة تجعلني أبدو أقل لياقة في حضرة مرضه, وتوقظ غيرة عاشق أدركهالحب في سن الشك.
ولم أنس أن أحضر له معي بعض مقالاتي. حتى يصدق ذريعتي لزيارته, خاصة أن توقيعها يحمل اسم خالد بن طوبال.
بدون أن تكون غرفته تحمل الرقم 8 , كانفيها شيء يذكرك بآخر ديوان لأمل دنقل, فكل غرف المرضى رقم في مملكة البياض.
" كان نقاب الأطباء أبيض/ لون المعاطف أبيض/ تاج الحكيمات أبيض/ أردية الراهبات/ الملاءات/ لون الأسرة/ أربطة الشاش والقطن/ قرص المنوم/ أنبوبة المصل/ كوباللبن".
كان في ضيافة البياض. لكن بابتسامة سمراء وطلة مضيئة كألوان قزح بعدظهيرة توقف فيها المطر.
نهض يسلم علي بحفاوة, واضعاً شيئاً من الألوانبيننا.
- أهلاً خالد... تفضل.
لم أعرف بأي اسم ولا بأية صيغة أناديه كي أردسلامه. فاكتفيت باحتضانه مردداً:
- أهلاً.. حمد الله ع سلامتك.
متسائلاً ماذاتكون فرانسواز قالت له ليستقبلني بهذه الحرارة.
جلس قبالتي. ها هو إذن.
كانيرتدي هم العمر بأناقة.
كان وسيماً, تلك الوسامة القسنطينية المهربة منذ قرون فيجينات الأندلسيين, بحاجبين سميكين بعض الشيء, وشعر على رماديته ما زال يطغى عليهالسواد, وابتسامة أدركت بعدها أن نصفها تهكم صامت, ترك آثاره على غمازة كأخدودنحتها الزمن على الجانب الأيمن من فمه.
وكانت له عينان طاعنتان في الإغراء, ونظرة منهكة, لرجل أحبته النساء, لفرط ازدرائه للحياة.
كم عمره؟ لا يهم. مسرع بهالخريف, وينتظره صقيع الشتاء. إنه منتصف اليأس الجميل. منتصف الموت الأول, وهو لهذايبتسم. يبدو في أوج جاذبيته, جاذبية من يعرف الكثير لأنه خسر الكثير. وهذا سأفهمهلاحقاً.
على الكرسي المقابل لسريره العالي صغرت, وتعلمت الجلوس خلف المنضدةالمنخفضة للسؤال.
كيف تطرق ذاكرة ذلك الرجل طرقاً خفيفاً؟ كيف تأخذ منه أجوبة عنأسئلة لن تطرحها, ولكنك جئت بذريعتها؟
كيف تفتح نافذة الكلام في غرفة مريض, بدونأن تبدو غبياً, أو أنانياً, أو انتهازياً تسابق الموت على سرقة أسراره.
قلت كمنيعتذر:
- تمنيت هذا الموعد كثيراً. آسف أن يتم لقاؤنا في المستشفى. إن شاء اللهصحتك في تحسن.
رد مازحاً:
- لا تهتم..بي صبر مستعصٍ على الشفاء.
قلت:
- بدءاً.. أنا أحب أعمالك الفنية ولي تواطؤ مع كثير من لوحاتك, ثم عندما فوجئت بوجودكفي باريس طلبت من فرانسواز أن تجمعني بك. فأنا بمناسبة مرور ذكرى ثورة نوفمبر أعدمجموعة حوارات مطولة مع شخصيات جزائرية ساهمت في حرب التحرير.. لي إحساس أنني سأنجزمعك حواراً جميلاً.
قال مبتسماً:
- أعتقد ذلك أيضاً. فنحن حسب ما بلغني , لناالاهتمامات ذاتها, ونشترك في حب الكثير من الأشياء.
لم أكن أعرف عنه لحظتها مايكفي لأدرك أنه اكتسب منذ زمن حدس الحقيقة, وتدرب على فن التغابي الذكي, وأن " الأشياء" هنا, ربما كان يعني بها .. النساء.
قلت وأنا أستأذنه فتح المسجل كيأعطي رسمية للقاء:
- تعنيني ذاكرتك كثيراً.. فأنت خضت حرب التحرير وعايشت معاركوبطولات تلك الفترة..
█║S│█│Y║▌║R│║█









ماذا بقي لك من ذكرى رجالات وأبطال تلك الحقبة؟
ردمازحاً:
- أنت تلاحق ذاكرة مضللة. لا وجود إلا للبطولات الصغيرة. البطولاتالكبيرة أساطير نختلقها لا حقاً.
أكبر المعارك تخوضها ببسالة الضمير.. لا بسلاحكولا بعضلاتك, وتلك المعارك هي التي يستبسل فيها الناس البسطاء النكرة الذين يصنعونأسطورة النصر الكبير, والذين لن يأتي على ذكرهم أحد.. ولن يسألهم صحافي على سريرالمرض عن ماضيهم.
فاجأني المنطلق العكسي الذي بدأ به حوارنا. حاولت مسايرةوجهته:
- لكنك توافق من يقول إن الثورات يخطط لها الدهاة, وينفذها الأبطال ويجنيثمارها الجبناء؟
ابتسم وأصلح من جلسته وكأن الحوار أصبح فجأة يعنيه, ثم رد بعدشيء من الصمت:
- إن كان لي أن أختصر تجربتي في هذه الثورة التي عايشت جميعمراحلها, فبتصحيح هذه المقولة القابلة للمراجعة في كل عمر. اليوم بالنسبة لي, الثورة تخطط له الأقدار وينفذها الأغبياء ويجني ثمارها السراق. دائماً, عبرالتاريخ, حدثت الأشياء هكذا. لا عدالة في ثورات تتسلى الأقدار بقسمة أنصبتها, فيالموت والغنيمة, بين مجاهدي الساعة الأخيرة, وشهداء ربع الساعة الأخيرة. أتدريعبثية منظر الشهيد الأخير, في المعركة الأخيرة, عندما يتعانق الطرفان في حضرته؟ فوقجثة آخر شهيد تبرم أول صفقة.
بقيت ملازماً صمتي. كانت أسئلته أجوبة مغلقة لاإضافة لك عليها, لكنني كنت أبحث عن مدخل يوصلني إليه, عساني أعرف إن كان له ماضيطابق ماضي خالد في تلك الرواية. سلكت إليه طريقاً متعرجاً:
- وأنت.. كيف عشتتلك البدايات.. أي ماض كان ماضيك؟
أجاب ساخراً, كمحارب عجوز بدأ يستخفبانتصاراته:
- إجلالاً للأحلام القديمة غير المحققة, أحب التحدث عن الماضي بصيغةالجمع.. في ماضي المغفلين الذي كان عيباً فيه أن تقول " أنا" نسيت أن أكون أنا. أمااليوم, فبجسارة اللصوص, من الطبيعي أن يتحدث أي زعيم عصابة عن نفسه بصيغةالجمع!
قال جملته الأخيرة وهو يضحك.
كان له جمالية الحزن الهادئ. الحزن الذيأكسبه بلاغة الصمت, وفصاحة التهكم, بحيث كان إن ضحك أدركت أنه يدعوك إلى مشاركتهالبكاء.
قلت لأعيده إلى الحديث عن نفسه:
- لكن اسمك كأحد كبار رسامي الجزائريعطيك حق أن تكون فرداً ومتفرداً.
أجاب بنبرة ساخرة:
- ذاك الحق لا تكتسبهبموهبتك وإنما بحكم الشيخوخة والمرض.. عندما تبلغ هذا السرير الأخير, تعود كما كنتبدءاً: وحيداً وأعزل. تصبح من جديد "أنا" لأن الجميع انفضوا من حولك.
عليك أنتتدرب على الكلام بالمفرد, والتفكير بالمفرد, أنت الذي قضيت عمراً تتحدث بصيغةالجمع, لا لأهميتك ولا لأهمية كرسي تجلس عليه, ولكن , لأن " الأنا" لم تكن موجودةعلى أيام جيلك. كان جيل الأحلام الجماعية, والموت من أجل هدف واحد.
لم تكنتنقصنا أحياناً الأنانية, ولا الوصولية, ولا الخيانة, ولا حتى جريمة قتل الرفاق. كانت تنقصنا السخرية. وكانت تلك فجيعة حياة نضالية محكوم عليها بالانضباط والجدية, مما جعل الذكاء والحلم على أيامنا ضرباً من التمرد. منذ زمن وأنا أعاني من نقص فيكريات الضحك.. ولذا أوصلني القهر إلى هنا!
لم أعرف كيف أواصل الحديث إليه. قلتمعلقاً:
- إنها الحياة.. كل يواجهها بما استطاع.
قال:
- تقصد.. كل يتخلىعن قناعاته حيث استطاع. تركب القطار البخاري للرفض, وترى رفاقك خلسة يترجلون الواحدبعد الآخر, وتدري أنك مسافر فيه عمراً واقفاً , وأنك آخر من ينزل. ولكن ماذابإمكانك أن تفعل إن كنت لم تولد على أيام القطارات السريعة!
كان الحوار يمضي بناإلى حيث يوصلنا كلامه, فسألته:
- والغربة.. أية محطة تمثل فيرحلتك؟
قال:
- الغربة ليست محطة.. إنها قاطرة أركبها حتى الوصول الأخير, قصاصالغربة, يكمن في كونها تنقص منك ما جئت تأخذ منها. بلد كلما احتضنك, ازداد الصقيعفي داخلك. لأنها في كل ما تعطيك تعيدك إلى حرمانك الأول. ولذا تذهب نحو الغربةلتكتشف شيئاً... فتنكشف باغترابك.
- وبماذا انكشفت؟
- انكشفت بعاهتي. لا بهذهالتي تراها, بل بما يوجد في أطرافها ولا تراه.
صمت فجأة عن الحديث, كما لو أنهاستطرد صمتاً, ليواصل الحديث إلى نفسه عن أشياء لا تريد البوح بها.
لم أقاطعصمته بكلمة. رأيته يتأمل ذراعي اليسرى, كأنه استشعر عاهتي غير الظاهرة. أكان يملكحدس المعوقين.. أم كان يعرف بعاهتي؟
أردف مواصلاً كلامه:
- أنت لن تفهم هذا. هذا أمر لا يفهمه إلا من فقد أحد أطرافه. وحده يعاني من "ظاهرة الأطراف الخفية" إحساس ينتابه بأن العضو المبتور ما زال موجوداً. بل هو يمتد في بعض الأوقات إلىكامل الجسد. إنه يؤلمه.. ويشعر بحاجة إلى حكه.. أو تقليم أظافر يد لا توجد!
كذلكالأشياء التي فقدناها. والأوطان التي غادرناها والأشخاص الذين اقتلعوا منا. غيابهملا يعني اختفاءهم. إنهم يتحركون في أعصاب نهايات أطرافنا المبتورة. يعيشون فينا, كما يعيش وطن.. كما تعيش امرأة.. كما يعيش صديق رحل.. ولا أحد غيرنا يراهم. وفيالغربة يسكنوننا ولا يساكنوننا, فيزداد صقيع أطرافنا, وننفضح بهم برداً!
سرت فيجسدي قشعريرة كلمات قالها بهدوء كمن يتسلى بإطلاق النار على نفسه.. فيصيبك.
كانيختصر لي حياته من خلال السيرة الذاتية ليد أصبحت ليتمها " ذاكرة جسد". إنه يتمالأعضاء. كيف أعتقد أنني لا أفهم هذا؟
شعرت برغبة في البكاء. أو في تقبيل ذلكالطرف المعطوب من ذراعه. هناك حيث تبدأ خساراتنا المشتركة.
يا إلهي.. إنهخالد!
وقعت في حب ذلك الرجل, في حب لغته, في حب استعلائه على الألم وانتقائهمعزوفة وجعه, في حب وسامة تبتكر جمالها كل لحظة بدون جهد, لأنها تشع من داخله. وأدركت أن تكون حياة قد أحبته إلى ذلك الحد. لقد خلق ليكون كائناً روائياً.
كاندائم التنبه إلى جرس الكلمات, وإلى ما يضيفه الصمت لجملة. تطرح عليه سؤالاً, فيأخذهمنك ويصوغه في سؤال آخر, يبدأ غالباً بقوله:
- تقصد..
وفي صيغته التساؤليةتلك يكمن جوابه. هو يصححك, لكن بقلم الرصاص دائماً, بصوت أقل نبرة من صوتك, لا قلمأحمر في حوزته. هو ليس معلماً, هو فقط رجل يسخر كبورخيس, يملك تلك "الحقيقةالهزلية" التي تجعل من مجالسته متعة لم تعرفها من قبل.
قال وهو يتصفحمقالاتي:
- تدري؟ أحسد كل من يكتب. " الكتابة هي التجذيف بيد واحدة" وبرغم هذاهي ليست في متناولي. لقد فقدت الرغبة في الإبحار, ربما لأنك كي تبحر لا بد أن يكونلك مرفأ تبحر
█║S│█│Y║▌║R│║█









نحوه, ولا وجهة لي. حتى الرسم توقفت عن ممارسته منذ سنتين.
أمدنياعترافه هذا بموجز عن نشرته العاطفية, ذلك أنني تذكرت قول بيكاسو " أن تعود إلىالرسم أي أن تعود إلى الحب" فقد ارتبطت كل مرحلة فنية عنده, بدخول امرأة جديدة فيحياته. وربما كانت كل مرحلة فنية عنده, بدخول امرأة جديدة في حياته. وربما كانتالكتابة عكس ذلك, فقد كانت حياة كلما سألتها خلال السنتين اللتين قضيناهما معاًلماذا لا تكتب؟ أجابت " الكتابة إعمال قطيعة مع الحب وعلاج كيماوي للشفاء منه.. سأكتب عندما نفترق".
قلت:
- مؤسف حقاً.. ألا تكون قد رسمت كل هذهالفترة.
أجاب:
- الرسم كما الكتابة, وسيلة الضعفاء أمام الحياة لدفع الأذىالمقبل. وأنا ما عدت أحتاجها لأنني استقويت بخساراتي. الأقوى هو الذي لا يملك شيئاليخسره. لا تنغش بهيئتي. أنا رجل سعيد. لم يحدث أن كنت على هذا القدر من الخفةوالاستخفاف بما كان مهماً قبل اليوم.
عليك في مساء الحياة أن تخلع هم العمر كماتخلع بدلة نهارك أو تخلع ذراعك أو أعضاءك الإصطناعية, أن تعلق خوفك على المشجب, وأنتقلع عن الأحلام. كل الذين أحببتهم ماتوا بقصاص أحلامهم!
أدركت فجأة سر جاذبيته. كانت تكمن في كونه أصبح حراً. عندما ما عاد لديه ما يخسره أو يخاف عليه.
وهويدرك جماله كلما فاجأ نفسه يتصرف محتكماً لمزاجه, لا لحكم الآخرين, كما عاش من قبل. ولا تستطيع إلا أن تحسده, لأنه خفيف ومفلس. خفته اكتسبها مما أثق به الناس أنفسهممن نفاق. وبإمكانه أن يقول لكل من يصادفه من معارف ما لم يجرؤ على قوله منقبل.
كرأيه في الرسام غير الموهوب الذي كان ينافقه مادحاً أعماله, والجار الذيكان يجامله اللحية عن خوف, والصديق الذي كان يسكت عن اختلاساته عن حياء, والعدوالمنافق الذي كان يدعي أمامه الغباء.
سألته:
- ألا تخشى ألا يبقى لك صديق بعدهذا؟
ضحك:
- ما كان لي صديق لأخسره. أصدقائي سقطوا من القطار. عندما تغادروطنك, تولي ظهرك لشجرة كانت صديقة, ولصديق كان عدواً. النجاح كما الفشل, اختبار جيدلمن حولك, للذي سيتقرب منك ليسرق ضوءك, والذي سيعاديك لأن ضوءك كشف عيوبه, والذيحين فشل في أن ينجح, نذر حياته لإثبات عدم شرعية نجاحك.
الناس تحسدك دائماً علىشيء لا يستحق الحسد, لأن متاعهم هو سقط متاعك. حتى على الغربة يحسدونك, كأنماالتشرد مكسب وعليك أن تدفع ضريبته نقداً وحقداً, وأنا رجل يحب أن يدفع ليخسرصديقاً. يعنيني كثيراً أن أختبر الناس وأعرف كم أساوي في بورصة نخاستهم العاطفية. البعض تبدو لك صداقته ثمينة وهو جاهز ليتخلى عنك مقابل 500 فرنك يكسبها من مقاليشتمك فيه, وآخر يستدين منك مبلغاً لا يحتاجه وإنما يغتبط لحرمانك منه, وآخر أصبحعدوك لفرط ما أحسنت إليه " ثمة خدمات كبيرة إلى الحد الذي لا يمكن الرد عليها بغيرنكران الجميل". ولذا لا بد أن تعذر من تنكر لك, ماذا تستطيع ضد النفس البشرية؟
- وكيف تعيش بدون أصدقاء؟
- لا حاجة لي إليهم.. أصبح همي العثور على أعداء كبارأكبر بهم. تلك الضفادع الصغيرة التي تنقنق تحت نافذتك وتستدرجك إلى منازلتها فيمستنقع, أصغر من أن تكون صالحة للعداوة. لكنها تشوش عليك وتمنعك من العمل.. وتعكرعليك حياتك. إنه زمن حقير, حتى قامات الأعداء تقزمت, وهذا في حد ذاته مأساة بالنسبةلرجل مثلي حارب لثلاث سنوات جيوش فرنسا في الجبال.. كيف تريدني أن أنازل اليوم ضآلةيترفع سيفك عن منازلتها؟
- أنت إذن تعيش وحيداً؟
رد مبتسماً:
- أبداً.. أنا موجود دائماً لكل من يحتاجني, إني صديق الجميع ولكن لا صديق لي. آخر صديق فقدتهكان شاعراً فلسطينياً توفي منذ سنوات في بيروت أثناء الاجتياح الإسرائيلي. لم أجدأحداً بعده ليشغل تلك المساحة الجميلة التي كان يملأها داخلي. معه مات شيء مني. ماوجدت من يتطابق مع مزاجي ووجعي.
سكت قليلاً ثم أضاف:
- تدري؟ هذه أول مرةأتحدث فيها هكذا لأحد. لكأنك تذكرني به. لقد كان في عمرك تقريباً ووسيم هكذا مثلك, وكان شاعراً غير معروف ولكنه مذهل في انتقائه الكلمات. عندما أغادر المستشفى, سأطلعك على بعض قصائده.. ما زالت في حوزتي.
قال فجأة كمن يعتذر:
- قد أكونتحدثت كثيراً.. عادة أنا ضنين في الكلام, فالرسامون حسب أحدهم " أبناءالصمت".
قلت وأنا أمازحه:
- لا تهتم.. فالمصورون أبناء الصبر..!
قال وقدأضاءت وجهه ابتسامة:
- جميل هذا.. يا إلهي.. أنت تتكلم مثله!
كدت أقول له " طبعاً.. لأن رجال تلك المرأة جميعهم يتشابهون" لكنني لم أقل شيئاً. وقفت لأودعه. ضمني بحرارة إليه, وسألني:
- متى ستنشر هذه المقابلة؟
أجبته بمحبة:
- لمتنته بعد لتنشر.. لقاءاتنا ستتكرر إن شئت, فأنا أريد عملاً عميقاً يحيط بكلشخصيتك.
قال مازحاً:
- لا تقل لي إنك ستعد كتاباً عني.. ما التقيت بكاتب إلاوأغريته بأن يلملم أشلاء ذاكرتي في كتاب!
استنتجت أنه يعنيها. قلت:
- لا , أنا لست كاتباً. الكتابة تكفين الوقت بالورق الأبيض.. أنا مصور, مهنتي الاحتفاظبجثة الوقت, تثبيت اللحظة.. كما تثبت فراشة على لوحة.
قال وهو يرافقني نحوالباب:
- في الحالتين.. أنت لا تكفن سوى نفسك بذا أو ذاك.
ثم واصل كمن تذكرشيئاً:
- لا تنس أن تأتيني في المرة المقبلة بالصورة التي حصلت بها على جائزة. لقد أخبرتني فرانسواز أنك مصور كبير.
كأنني بدأت أشبهه, لم أعلق على صفة "كبير" سوى بابتسامة نصفها تهكم.
تركته للبياض. وغادرت المستشفى مليئاً بذلك الكمالمذهل من الألوان.
عندما عادت فرانسواز إلى البيت, وجدتني أعيد الاستماعإلى تسجيل حوارنا.
سألتني إن كنت أفرغ الشريط قصد كتابة المقال. أجبتها أننيأفرغه لأمتلأ به. فلم يكن في الواقع في نيتي أن أكتب أي مقال. ولا توقعت يومها أنني , كمن سبقني إلى ذلك الرجل, سأرتق أسمال ثوب ذاكرته في كتاب!
***
█║S│█│Y║▌║R│║█









دفع واحدة, قررت الحياة أن تغدق عليك بتلكالمصادفات المفجعة في سخائها, حد إرعابك من سعادة لم تحسب لها حساباً. لم أكن أصدقلقائي بزيان حتى كنت في اليوم التالي أتعرف على ناصر.
أكان في الأمر وما سيليهمن مصادفات أخرى.. مصادفة حقاً؟
" المصادفة هي الإمضاء الذي يوقع به اللهمشيئته". ومشيئته هي ما نسميه قدراً.
وكان في تقاطع أقدارنا في تلك النقطة منالعالم أمر مذهل في تزامنه. لن أعرف يوماً إن كان هبة من الحياة أو مقلباً منمقالبها.
كل ما أدريه أنني مذ غادرت الجزائر ما عدت ذلك الصحافي ولا المصور الذيكنته. أصبحت بطلاً في رواية, أو في فيلم سينمائي يعيش على أهبة مباغتة؟ جاهزاً لأمرما.. لفرح طارئ أو لفاجعة مرتقبة.
نحن من بعثرتهم قسنطينة, ها نحن نتواعد فيعواصم الحزن وضواحي الخوف الباريسي.
حتى من قبل أن نلتقي حزنت من أجل ناصر, منأجل اسم أكبر من أن يقيم ضيفاً في ضواحي التاريخ, لأن أباه لم يورثه شيئاً عدااسمه, ولأن البعض صنع من الوطن ملكاً عقارياً لأولاده, وأدار البلاد كما يدير مزرعةعائلية تربي في خرائبها القتلة, بينما يتشرد شرفاء الوطن في المنافي.
جميل ناصر. كما تصورته كان. وجميلاً كان لقائي به, وضمة منه احتضنت فيها التاريخ والحب معاً, فقد كان نصفه سي الطاهر ونصفه حياة.
بدا مراد أسعدنا. كان يحب لم شمل الأصدقاء. وكان دائم البحث عن مناسبة يحتفي فيها بالحياة.
كانت شقته على بساطتها مؤثثةبدفء من استعاض بالأثاث الجميل عن خسارة ما, ومن استعان بالموسيقى القسنطينية ليغطيعلى نواح داخلي لا يتوقف.
سألته متعجباً:
- متى استطعت أن تفعل كل هذا؟
ردمازحاً:
- أثناء انشغالك بالمعارض التشكيلية!
فهمت ما يقصد.
- والأغانيالقسنطينية, من أين أحضرتها؟
- اشتريتها من هنا. تجد في الأسواق كل الأغاني منالشيخ ريمون وسيمون تمار حتى الفرقاني. يهود قسنطينة ينتجون في فرنسا معظم هذهالأشرطة.
رحت أسأل ناصر عن أخباره وعن سفره من ألمانيا إلى باريس إن كان وجد فيهمشقة.
رد مازحاً:
- كانت الأسئلة أطول من المسافة! ثم أضاف: أقصد الإهاناتالمهذبة التي تقدم إليك من المطارات على شكل أسئلة.
قال مراد مازحاً:
- واشتدير يا خويا.. " وجه الخروف معروف!"
رد ناصر:
- معروف بماذا؟بأنهالذئب؟
أجاب مراد:
- إن لم تكن الذئب, فالذئاب كثيرة هذه الأيام. ولا أدريسبباً لغضبك. هنا على الأقل لا خوف عليك ما دمت بريئاً. ولا تشكل خطراً علىالآخرين. أما عندنا فحتى البريء لا يضمن سلامته!
رد ناصر متذمراً:
- نحننفاضل بين موت وآخر, وذا وآخر, لا غير. في الجزائر يبحثون عنك لتصفيتك جسدياً. عذابك يدوم زمن اختراق رصاصة. في أوربا بذريعة إنقاذك من القتلة يقتلونك عرياً كللحظة, ويطيل من عذابك أن العري لا يقتل بل يجردك من حميميتك ويغتالك مهانة. تشعرأنك تمشي بين الناس وتقيم بينهم لكنك لن تكون منهم, أنت عار ومكشوف بين الناس بسبباسمك, وسحنتك ودينك. لا خصوصية لك برغم أنك في بلد حر. أنت تحب وتعمل وتسافر وتنفقبشهادة الكاميرات وأجهزة التنصت وملفات الاستخبارات.
قال مراد:
- وهذا يحدثلك أيضاً في بلادك.
وكما لينهي الجدل وقف ليسألنا:
- واش تحبوا تاكلوا ياجماعة؟
سعدت بالسؤال. لا لجوعي, وإنما رغبة في تغيير نقاش لا يصلح بدايةلجلسة.
ضحكت في أعماقي لما ينتظر ناصر المسكين من مجادلات ومشاكسات يومية معمراد الذي أقصى تضحية قد يقوم بها إكراماً لضيفه: امتناعه عن تناول الكحول فيحضرته. وقبل أن نجيبه قصد مراد المطبخ وعاد بصحن من الصومون وآخر من الأجبانوالمخللات. قال وهو يضعها على الطاولة:
- هزوا قلبكم.. قبل العشاء.
اقترحت أننطلب بيتزا إلى البيت حتى لا نتحول إلى فئران بيضاء في مختبر مراد للطبخ.
قالناصر ممنياً نفسه بوليمة:
- عندما تأتي امّا ستعد لنا أطباق قسنطينية تغير مذاقالهمبرغر الأماني في فمي.. كم اشتقت لأكلنا..
رد عليه مراد مازحاً:
- دعك يارجل من الطبخ الجزائري وإلا أصبحت حقاً إرهابياً.
مواصلاً بمزاح:
- أتدري أنهقد صدر كتاب مؤخراً في أمريكا يثبت علاقة بعض أنواع الأكل بالنزعات الإجرامية.. لواطلع عليه مسؤولونا لوجدوا أنه من واجب الحكومة أن تتدخل بعد الآن في ما يأكلهالجزائريون بذريعة أن الإرهاب عندنا يتغذى أولاً من المطبخ الجزائري.
ونظراًلنبرته الجادة سألته:
- أحقاً ما تقول؟
أجاب:
- طبعاً.. أرأيتم شعباًمهووساً بأكل الرؤوس " المشوشطة" مثل الشعب الجزائري؟ حتى في فرنسا ما تكاد تسألجزائرياً ماذا تريد أن تأكل حتى يطالبك " ببزلوف". ترى الجميع وقوفاً لدى جزاراللحم الحلال ليفوز برأس مشوي لخروف.. أو رأسين يعود بهما إلى البيت, وإن لم يجدهأصبح طبقه المفضل لوبيا " بالكراوع". والله لو أن غاندي نفسه اتبع لشهر واحد ريجيمالمطبخ الجزائري المعاصر وتغذى " بوزلوف" وتعشى " كراوع" لباع عصاه ومعزاه واشترىكلاشينكوف!
ضحكنا كثيراً لكلام مراد. قاتله الله. يا لجمال روحه المرحة. إنهنموذج لشعب أنقذته سخريته من الموت.
قلت مواصلاً جدله المازح:
- ربما بسبباستهلاكنا الزائد للكراوع لا نفكر سوى بالهروب ومغادرة الجزائر نحو أيةوجهة.
قاطعني مستشهداً بمثل قسنطيني:
- وبسبب إقبالنا على "بوزلوف" أصبحنا " مثل الراس المشوشط.. ما فينا فير اللسان"!
حين جاء ( ساعي البيتزا) يوصل ماطلبناه بالهاتف, بذريعة علاقة الأكل الجزائري
█║S│█│Y║▌║R│║█
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
مواقع النشر (المفضلة)