








جنازته في الجزائر, فكرت في قول مالرو " لايحدث للإنسان ما يستحقه, بل ما يشبهه".
موت ياسين كحياته, موت موجع ومشاغبومسرحي ومعارض ومحرض وساخر.
تصور.. يوم مات ياسين في مدينة ( غرونوبل) في 29أكتوبر 1989 حدث زلزال في الجزائر. ولكن نشرة الأخبار ذلك المساء كانت تتضمن فتوىبثتها الإذاعة الوطنية, أصدرها المفتي محمد الغزالي رئيس المجلس الإسلامي لجامعةقسنطينة, ومستشار الرئيس بن جديد آنذاك, يعلن فيها أن مثل هذا الرجل ليس أهلاً لأنيواريه تراب الجزائر, ويحرم بحكمها دفنه في مقبرة إسلامية. ولكن ياسين ظل حتى بعدموته يستخف بالفتاوى وبكل أنواع السلطات. حملت نعشه النساء كما الرجال. لأول مرة, رجل تحمل نعشه فرقة مسرحية بكاملها.
كانت نكتته الأخيرة أن تعطلت سيارة الـ " البيجو" 504 التي كانت تنقل جثمانه, لكثرة الممثلين الذين كانت تحملهم, مما جعلالمشيعين يترجلون ويذهبون به إلى المقبرة على الأقدام وسط زمامير السياراتوالزغاريد ونشيد الأممية الذي كانوا ينشدونه باللغة البربرية.
لم يستطع الإمامولا الرسميون شيئاً لإسكات كاتب ياسين حياً ولا ميتاً. ولم يستطيعوا منع القدر أنيجعله يدفن في أول نوفمبر تاريخ اندلاع الثورة الجزائرية. كان أول من أدخل الفوضىوالديمقراطية والزغاريد إلى المقابر كما أدخلها قبل ذلك إلى المعتقلاتوالسجون!
قلت متعجباً:
- إنه لموت طريف حقاً.. لم أسمع بهذه التفاصيل منقبل.
قال ساخراً:
- ليس هذا الطريف في حد ذاته, إنما تشكيلة الموت في غرابةأقداره كما عرفه جيلنا. تصور يا رجل: لي صديقان كلاهما من رجال التاريخ وكبارمجاهدي الثورة, أحدهما مات قهراً والآخر مات ضحكاً. هل تصدق هذا؟ أنت سمعت حتماًبعبد الحفيظ بوالصوف؟
- طبعاً.. كان مدير الاستخبارات العسكرية أثناءالثورة.
- أتدري كيف مات هذا الرجل الصلب المراس الذي اشتهر بغموضه وأوامره التيلا رحمة فيها في التصفيات الجسدية للأعداء كما للرفاق؟ توفي سنة 1980 إثر أزمةقلبية فاجأته وهو يضحك ضحكاً شديداً على نكتة سمعها من صديق عبر الهاتف!
كان قدانسحب من الحياة السياسية نهائياً بعد الاستقلال, رافضاً أي منصب قيادي وأصبحبإمكانه أن يموت ضاحكاً!
أليست نهايته أفضل من نهاية سليمان عميرات, رفيق سلاحهالذي مات بعد ذلك حزناً بسكتة قلبية أثناء معركة الفاتحة على جثمان محمد بوضياف, رفيق سلاحهما الآخر الذي سقط مغتالاً؟
لم ينج من هذه اللعنة حتى من مات منجيلنا شهيداً ميتة الأبطال. أورث نحس جيله إلى ذريته, كالشهيد البطل مصطفى بنبولعيد الذي اغتيل ابنه عبد الوهاب وهو في الخمسين من عمره في 22 آذار 1995 , نهاراغتيل أبوه على أيدي الفرنسيين قبل تسعة وثلاثين سنة, بعد أن نصب له الإرهابيونحاجزاً وهو في طريقه إلى بلدته " باتنة" ليشارك ككل سنة في التأبين الذي يقام فيذكرى استشهاد أبيه.
ربما كانت في هذه الميتة بالذات كل فاجعة جيلنا. رجل مثلمصطفى بن بولعيد , أحد رموز مقاومتنا, تهديه الجزائر جثمان ابنه في يوم استشهاده.. أي وطن هذا؟
توقف في تلك اللحظة شريط التسجيل. انتبه إلى أنني كنت فتحتالمسجل, قال وأنا أقلب الشريط:
- خليك م التسجيل يا راجل.. التاريخ " الحلّوف" راه يسجل!
قلت مازحاً في محاولة للتخفيف من مرارته:
- التاريخ يسجل لكن أناأنشر. أريد نشر هذه المقابلة كشهادة عن تلك المرحلة.
رد بتهكم مر:
- أيةمرحلة؟ تلك المرحلة لم تنته يا رجل. الجزائري يعيش جدلية تدمير الذات, هو مبرمجلإبادة نفسه والتنكيل بها عندما لا يجد عدواً لينوب عنه في ذلك. تظن أن الإرهابيينكان لهم الفضل في بدعة قتل الكتاب والقضاة والأطباء والسينمائيين والشعراءوالمحامين والمسرحيين.. الجزائر لها تقاليد في قتل مثقفيها.. وأنا كنت في صفوفالمجاهدين عندما في خدعة هدفها إلحاق ضرر نفسي بالمقاومة, أوحت فرنسا للعقيد عميروشبأن بين رجاله من يعملون مخبرين لصالح الجيش الفرنسي. فقام في يوليو 1956, وبعدمحاكمة سريعة, بقتل ألف وثمانمائة من رجاله, في حادثة تاريخية شهيرة باسم " La bleuite". فوراً وجهت أصابع الاتهام إلى المثقفين, أي إلى المتعلمين الذين تركوادراساتهم ليلتحقوا بالجبهة, والذين بسبب علمهم وثقافتهم الفرنسية لم تكن جبهةالتحرير تثق في ولائهم. أما القتلة الذين انقضوا عليهم فكانوا رفاقهم من المجاهدينالقرويين والأميين في معظمهم, والذين منذ البدء لم يغفروا لهم تميزهم عنهمبالمعرفة. واليوم أيضاً لم يتغير شيء. كل جاهل يثأر لجهله بقتل مثقف بعد المزايدةعليه في الإيمان والتشكيك في ولائه للوطن. وها نحن في ما بقي لنا من ضحايا الإرهابضد المثقفين.
توقف ليسألني فجأة:
- هل اشتريت تلك اللوحة؟
وقبل أن أجيب, فتح الجارور يبحث عن شيء. أخرج ولاعة, أشعل السيجارة التي كان ممسكاً بها طوالالوقت.
وبدون أن أقول له شيئاً أجاب متهكماً من تعجبي لتدخينه في المستشفى:
- لا تهتم.. أنا أنتمي إلى جيل من الرجال المجبولين بالعصيان.
ثم أعاد سؤاله بصيغةأخرى:
- ماذا ستفعل بتلك اللوحة؟
- سآخذها معي إلى قسنطينة عندما أعود بعدأسبوعين أو ثلاثة.
ثم أردفت خشية أن يكون قد غير رأيه:
- ستبقى بتصرفك. بإمكانك أن تراها عندما تزور قسنطينة.
- لم أعد أتردد على قسنطينة. لم يبق ليفيها أحد ولا شيء. آخر مرة زرتها منذ سنة ونصف لأحضر جنازة ابن أخي حسان.شعرت أنهامدينة لم تعد تصلح إلا صورة على بطاقة بريدية أو جسراً على لوحة. بدت لي جسورهاهرمة تعبة, كأنها شاخت وتساقطت عنها حجارتها, كأفواه تعرت عن أسنانها, كسحنة منيعبرونها بملامح تعرت من تعابيرها, مسرعين حيناً.. متثاقلي الخطى أحياناً أخرى, تائهين حائرين, كمن ينتظر فاجعة.
- ربما لأنك زرتها في ظرف حزين.
- ما كان لييوماً معها موعد سعيد. دوماً غادرتها مفجوعاً. رافضاً عقد ميثاق مع الوحل الذي أتىعلى كل شيء. لا أريد أن أكون هناك عندما تخلع قسنطينة حجارتها.. وتنزلق نحو وهدالهاوية.
صدقني منذ اغتيال بوضياف أصبحت أكره حتى السفر إلى الجزائر, فبموته ماتشيء فينا. عندما جاؤوا به متضرعين كي ينقذ الجزائر ويكون رئيسها, ما ظنوا أن ذلكالرجل الذي جبلته السجون والمنافي وخيانات الرفاق, على هزاله, ما كان يصلح لإبرامصفقة فوق الجثث فحولوه إلى جثة كي نتعلم من جثته.
ألا ترى كل ذلك الحجر المتساقطعلينا بعده؟ بإمكاننا الآن أن نواصل التراشق بذلك الكم من الأسئلة. ما عاد السؤال " من قتل بوضياف؟" صار :" صوب أي مصب ذاهب بنا الوحل؟ صوب أي وحل ذاهب بناالتاريخ؟"
ساد بيننا صمت الفاجعة.
ثم , لا أدري كيف حدثت الأشياء. اتجهتنحو السرير كمن يحتضن صخرة خشية أن يجرفه السيل, ضممته.. وفاجأني البكاء.
حتماً, كانت دموع مؤجلة تجمعت داخلي كغيمة مثقلة تبحث عن جو مناسبلتهطل.
█║S│█│Y║▌║R│║█









قلت كمن يبرر حماقة:
- خالد.. نشتيك.
لم يحتج لأنني ناديته خالد, ولا تعجب أن يكون حبه ذريعتي للبكاء.
تصرف كما لو كان من عادة الرجال أن يبكوا. ضمني دون أن يفهم ما بي, أو ربما أدرك أكثر مما قلت, لكنه لم يبكِ, من مثله يدمعفقط, قال:
- لا تحزن.. خلقت الأحلام كي لا تتحقق!
أثناء ضمه لي اقشعر جسديوأنا أصطدم بالفراغ الذي خلفته ذراعه الناقصة. كنت أختبر لحظتها كيف ضمها. كيفبإمكان رجل بذراع وحيدة أن يضم إنساناً آخر إلى صدره. لم أعد أدري أكنت أبكيهافيه.. أم أبكيه فيها؟ أو أنني أبكي نفسي بينهما.
هي التي كانت هنا وجلست على هذاالكرسي مكاني. لكأنها ما زالت بيننا. أشم عطر غيابها.
عندما أراد بعد ذلك أنيغادر سريره ليودعني, أوقع المزهرية بحركة من يده وهو يحاول الاستناد إلىالطاولة.
انحنيت متأسفاً أرفعها من الأرض وأجمع الورود.
قال كمن يعتذر عنحماقة:
- في الفترة الأخيرة أصبحت مصاباً بعمى الأطراف. ما مررت بشيء إلاواصطدمت به. دعك من جمعه.. ستحضر الممرضة للملمته.. إنه ورد فقط وهو آيلللذبول!
ثم أردف بتهكم وحده يتقنه:
- حتى وإن سقطت ذراعي.. حاذر أنتلتقطها.
- أنت تعاكس قصيدة محمود درويش.
" سقطت ذراعي فالتقطها
وسقطتجنبك فالتقطني"
قاطعني مواصلاً:
- " واضرب عدوك بي.."
- أتعرفها؟
ردمبتسماً:
- أعرفها؟ كم أعرفها! كانت القصيدة المفضلة لصديقي زياد. كان دوماًيقول: ليتني كاتبها. فأعلق " لا تهتم.. إن سقطت سألتقطك بذراعي الوحيدة". لأنني معزياد كنت أعرف كم العدو الذي سأقذف بجسده في اتجاهه. لكنك إن التقطت ذراعي فعلى منستقذفها؟
واصل بسعادة:
- بالمناسبة عندما أغادر المستشفى سأطلعك على بعضأشعار زياد.
- أما زالت في حوزتك حتى اليوم؟
- طبعاً.. قد أفرط بلوحاتي ولاأفرط بها.. مشكلتي دوماً كانت إرث الشهداء.
افترقنا دون أن أدرك إن كان يومهاأكثر سعادة أو أكثر حزناً من العادة.
كان يتصرف باستخفاف المفلس. يدخن ويدرك أنفي السجائر مضرة له. وطلب مني أن أحضر له قارورة ويسكي صغيرة من تلك التي تقدم فيالطائرات لملء كأس واحدة, غير معني بأنه ممنوع من تناولها مع دوائه. وينسى أن يأخذدواءه لأنه يدري أن لا جدوى من الدواء. ويأكل أشياء قد تتدهور بها صحته عسى بهاترتفع معنوياته التي لا تتغذى سوى بالمحظورات.
أظنه كان سعيداً, غير أن السعادةلم تكن لها علاقة بباقة الورد, ولا بالشوكولاطة الفاخرة التي أحضرتها له, والتي وضعحبات منها في جيبي وهو يودعني, ولا بذلك الكتاب الذي تلقاه منها, كما تلقى هامنغوايالبندقية من زوجة أبيه.
سعادته كانت بسبب سماح الطبيب له بمغادرة المستشفى يومالأربعاء, فقد كان يخطط لمشاريع كثيرة أولها زيارة معرضه وجمع ما بقي منلوحاته.
أما مرارته, فكان سببها السري على الأرجح كون المرأة التي أحبها عادتبعد أن شفي منها لتعوده وتتفرج عليه في بشاعة مرضه الأخير.
هو نفسه قال مرة إنهعندما يشعر بأنه أصبح بشعاً في علاقة, ينهيها ويهرب حتى عندما يكون الطرف الآخروطناً. لكن أين كان بإمكانه أن يهرب وهو رهين سرير المرض؟
أتوقع أن يكون استأصلالزائدة العاطفية وراح يختبر قدرته على تجميل البشاعة بالسخرية. كذلك اليوم الذياعتذر لي فيه مازحاً لعدم استطاعته مغادرة سريره كالعادة والجلوس معي بسبب استلقائهعلى ظهره ووجود ذراعه الوحيدة موصولة إلى أنبوب مصل الدواء.
قال متهكماً:
- في هذا الوضع تماماً رسم ميكيل أنجلو سقف كنيسة ( كابيلا سيستينا). ظل هكذا يرسموهو ممدد عارياً على السقالة لعدة أشهر ويده اليمنى مرفوعة إلى السقف. كان يرفضالاستعانة بالمساعدين ويصر على إنجاز رسم السقف وحده. وكان لأوجاع جسده يقول " أعيشفي الجحيم.. وأرسم لوحة". وكان البابا يتسلق السلم الخشبي ويصعد للتجسس عليهومباركته!
أحياناً يكرم المرء في وضع مهين! وهو ما يذكرني بقول جميل لمناضل سيقإلى الشنق. فسئل قبل إعدامه " هل ليك ما تقوله قبل الموت؟" فأجاب جلاده " يكفيفخراً أن أموت وقدماي فوق رؤوسكم".
ليست المهانة أن أكون في هذا الوضع. إنما فيكوني هنا أضاجع الموت في سرير. قصدت السرير دوماً لمنازلة الحب!
في طريق العودة إلى البيت توقفت في مكتبة بحثاً عن كتاب " توأما نجمة" لبنعمار مديان الذي كان زيان يطالعه. كان بي فضول أن أعرف لماذا أهدته إياه.
وماكدت أعود إلى البيت وينتهي العشاء الخفيف الذي فاجأتني فرانسواز بإعداده حتى اعتذرتمنها وذهبت إلى غرفة النوم مستعجلاً مطالعته.
رغم انشغالها ببرنامج تلفزيوني لمتبد فرانسواز سعيدة أن تراني أتركها وأختلي بنفسي للمطالعة. كان الأمر غريباً حقاً, فأنا لم أعرف امرأة إلا واعتبرت الكتاب غريمها الأول في البيت. وجربت بما أوتيت منمواهب نسائية أن تسرقني من القراءة كما لو أن في انشغالي بها إهانة لأنوثتها. كانما يزيد الطين بلة, ويجعل من الكتاب ضرة, عادتي القراءة في السرير. كنت دوماً أدعوالكتب التي أحبها إلى غرفة نومي لاعتقادي أن الكتب الجميلة كالنساء الجميلات, لايمكن مجالستهن في الصالون, ولا بد أن تراودك الرغبة في أ، تخلو بهن.. فيمخدع.
الصالون خلق لتلك الكتب الوقورة الرصينة المصطفة في مكتبة, تدافع عن صيتهابثقل وزنها, وتعوض عن بلوغها سن اليأس الأدبي بتجليدها الفاخر وخطها الذهبي.
كنتبدون قصد أؤنث الكتب.
تلك السهلة التي تندس في جيبك. كتب الانتظار والضجر التيكنساء المصادفات تصلح لقراءة واحدة. وأخرى للمؤانسة ترافقك إلى سريرك لتنهي ليلهاأرضاً منهكة, نائمة على بطنها كامرأة بعد ليلة حب. وأخرى صقيلة الورق فاخرةالطباعة, تتربص بجيبك كبغايا أمستردام خلف واجهة زجاجية.. قد تنقل إليك عدوىالرداءة.
أعتقد أنني خلال سنوات طويلة ما أقمت علاقة جميلة سوى مع الكتب. بعض هذه العلاقات كانت تضاهي في شغفها وطقوسها شيئاً شبيهاً بالخيانة الزوجية, مماجعلني أتعاطاها أحياناً سراً متبرءاً من شبهتها, خاصة عندما كنت أقضي وقتاً طويلاًمنشغلاً عن زوجتي النائمة جواري, بمطالعة كتاب يعطيني من متعة المعرفة والمباغتة, أكثر مما يعطيني جسدها الذي أعرفه عن ظهر زوج!
في ذلك البيت الذي في البدءوبصفتي الابن البكر سكنته مع زوجة أبي وأختي المطلقة, كنت
█║S│█│Y║▌║R│║█









أجد متعة في تسريب كتابإلى غرفة نوم مهيأة أصلاً لتكون فضاءً نسائياً تهرّب إليه زوجتي أشياءها منالآخرين, أو بالأحرى من الأخريات!
حدث كثيراً أثناء تهريبي كتاباً إلى مخدعالزوجية, مدعياً حاجتي المهنية إلى مطالعته, أن تذكرت أبي الذي عثر أثناء حربالتحرير على حيلة فوق كل الشبهات تمكنه من إحضار عشيقاته إلى البيت, مستفيداً مننشاطه النضالي, وإقامتنا بمفردنا في بيت شاسع على الطراز العربي. فكان يغلق علينا, أنا وجدتي وزوجته العروس, في إحدى الغرف الكبيرة, متحججاً باستقبال المجاهدين الذينكانوا يقضون بين الحين والآخر ليلة " مشاورات" في بيتنا.. يعودون بعدها إلىالجبال!
كان عمري لا يتجاوز الست سنوات. وبرغم ذلك لفت انتباهي أن أبي, علىغير عادته, أصبح يغلق علينا باب الغرفة بالمفتاح, بعد أن كان في الماضي يكتفي بأنيسعل بصوتٍ عالٍ كلما دخل البيت مع رجل غريب مردداً وهو يسبقه بخطوات: " الطريق.. الطريق". فتسرع النساء إلى أول غرفة ويغلقن عليهن الباب حتى يمر الرجال.
ذات مرةتأملت من ثقب الباب الذي لم تكن قامتي تعلوه سوى بقليل, فرأيته يدخل مع امرأةبملاءة سوداء. عندما أخبرت زوجة أبي بذلك بدت مندهشة, غير أن جدتي تدخلت لتنهرنيململمة الفضيحة, مدعية أن العادة جرت أن يتنكر المجاهدون في زي النساء.
من يومهابدأت زوجة أبي التي لم تقتنع بالزي التنكري للمجاهدين, تتجسس بدورها من ثقب الباب, وترى نساء بهيئات مختلفة يعبرن كل مرة وسط الدار.
ولكن اكتشافها لم يغير شيئاًمن تصرفاتها, فهي لم تجرؤ حتى على إخباره بأنها تدري أنه يكذب عليها, خشية أن يغضبويعيدها إلى بيت أهلها, فتستبدل بشرف الزواج من أحد وجهاء قسنطينة مذلة أن تكونرقماً في طوابير المطلقات.
هكذا واصلت إعداد أشهى الطعام للمجاهدين و " المجاهدات", القادمين لتوهم " من الجبال الشامخات الشاهقات", وفرش سريرها بأجمل مافي جهازها من شراشف مطرزة, والمضي للنوم جوار صغيرتها في غرفة الضيوف, بينما كانأبي يخوض معاركه التحريرية في سريرها الزوجي على أمتار منها. وربما كانت أثناءتقلبها في فراشها, تبحث عن وجوه وأسماء لنساء فاجرات يدخلن بيتها تحت حشمة الملايةوعفة الجهاد ليضاجعن زوجها في حضرتها.
كان يلزمني بلوغ سن التأمل, كي أفهمأنني يوم وضعت عيني على ثقب المفتاح لم أكن أكتشف سوى قسنطينة التي لم يكن ذلكالبيت العتيق سوى صورة لتقاليد نفاقها.
دفعة واحدة أدركت أن الآباء يكذبون, وأنالمجاهدين ليسوا منزهين عن الخطيئة, وأن النساء اللائي يلبسن ملايات لسن فوقالشبهات, وأن النساء القابعات في بيوت الظلم الزوجي لسن مخدوعات إلى هذا الحد, وأن " الضحية ليست بريئة من دمها"!
بعد ذلك , أصبحت مع العمر أرى في تصرفات أبيآنذاك جانباً " زوربوياُ" ساهم في خلق أسطورته النضالية والعشقية.
كان بحكمثقافته رجلاً لكل الجبهات. خاض معاركه ضد الاستعمار وضد المؤسسة الزوجية التي لميؤمن بها يوماً, وانتسب إليها استجابة لإلحاح جدتي لا غير. كان لا بد له من زوجةتتكفل بتربيتي بعد وفاة والدتي, فجاءته بإحدى القريبات من اللائي هيئن ليكن رباتبيوت وأمهات صالحات.
في الواقع, عشقه للحرية أوصله إلى الإعجاب بنساء متحررات. كان له ضعف دائم تجاه الأجنبيات لكونهن متعلمات. ساعدته وسامة أندلسية عرف بها أهلقسنطينة الأوائل, على اكتساح القلوب الشقراء والسمراء. كمدرّسة فرنسية نظم أشعارهالأولى تغزلاً بها, أو تلك الأرملة اليهودية التي كان زوجها حارساً في سجن الكدياعندما كان والدي سجيناً هناك, وكانت جدتي تتردد على بيته كلما أرادت أن ترسل شيئاًإلى أبي في السجن. وعندما بعد سنتين عرف العالم المجاعة وكلّف أبي من طرف الإدارةالفرنسية بتوزيع قسائم المساعدات الغذائية على سكان قسنطينة من المسلمين, كانيزورها ليزودها خلسة هي وبعض عونه من المعارف والجيران, في ذلك الزمن الذي كانتتتجاور فيه الأجناس والأديان.
كان زوربا على طريقته. اعتاد أن يحيط نفسهبالأرامل والعوانس, ونساء على وشك أن تذبل ورودهن وليس لهن بستاني سواه.
كانمسؤولاً عن كل نساء الأرض, بدون تمييز بين أعمارهن أو ديانتهن أو جمالهن, مسؤولاًعن أجسادهن وأحلامهن, معنياً بتعليمهن وإدارة مستقبلهن إلى حد التكفل بتزويجهن, ومسؤولاً عن كل جياع الأرض أينما وجدت أفواههم وبطونهم ولقمتهم. وعن كل المظلومينوالمستعمرين أينما وجدت أرضهم وقضيتهم. ولذا " عاش ما كسب.. مات ما خلى". فلم يكنيعنيه أن يمتلك بقدر ما كان يعنيه أن يحيا.
وكان بعد الاستقلال يقيم في شقةواسعة استأجرها. نشغل نحن جزأها الأكبر بينما يحيا هو بين غرفتين: صالونه الذهبيالفخم حيث يستقبل ضيوفه من السياسيين ورفاق قدامى يتناقصون كل عام, وغرفة نوم فاخرةاشتراها من معمرين فرنسيين غادروا الجزائر عند الاستقلال, ربما كانت تعود لنهايةالقرن الماضي, بخزانة ضخمة منقوشة باليد بحفر صغير على شكل دوالٍ تغطيها مراياكبيرة. جوارها سرير عالٍ يسند رأسه لوح بذات النقوش وينتهي جانباه من الأعلىبمجسمات نحاسية لملاكين كأنما يطيران أحدهما صوب الآخر, وعلى جانبي السرير طاولتانصغيرتان تغطيهما لوحتان رخاميتان, يقابله خزانة أثاث بأربعة جوارير بمماسك نحاسيةجميلة تعلوه مرآة أخرى تحيط بها النقوش ذاتها.
كان الصالون قصاص أبي. كانكتلك الغرف القليلة الاستعمال, القليلة الاستقبال والمهيأة لزوار لن يأتوا. يذكّرهبابه الذي لا يفتح إلا في المناسبات بأن الرفاق من حوله انفضوا.
أما غرفة النومالتي كانت مملكته وما بقي من جاهه والتي كان ينام فيها وحده, فقد أصبحت بعده قصاصيأنا. كان مستبعداً بيعها لأسباب عاطفية, ولذا وجدتني أبدأ حياتي الزوجية علىسريرها.
كان في الغرفة رائحة توقظ زمن الموتى, تفسد عليك زمانك. ما أصعب أن تبدأحياتك الزوجية على سرير كان أبوك يشغله وحده, وينام على يساره دائماً إلى حد تواطأالزمن مع الجسد حافراً لحداً داخل الفراش الصوفي بحيث ما عاد بإمكانك أن تتقاسمه معشخص, إلا وتدحرج أحدكما نحو الآخر.
كانت غرفة فاخرة تصلح بسريرها العالي وأبوابخزائنها الثقيلة للأنتيكا.. لا للحب. وربما أرادها أبي فخمة إلى ذلك الحد ليعوض بهاغياب الحب في حياته.
ما كان أبي ثرياً, ولا اشترى تلك الغرفة بالذات ليراها أحدسواه. ولكنها كانت تذكرني بغرف نوم فاخرة مؤثثة بإثم واضح في التبذير, قصد إقناعكأن الأثرياء ليسوا عشاقاً سيئين!
ذات يوم تبدأ حياتك الزوجية في سريرالمسنين المليء بكوابيس النوم غير المريح. وعليك, لأسباب عاطفية غبية, أن تتدرب علىالتصرف بحياة سبقك إليها أبوك. رائحته هنا علقت بالخشب.. بالستائر.. بأوراقالجدران.. بكريستال الثريا. وأنت مدهوش, لا تدري حتى متى ستظل رائحته تتسرب إليك. أكانت كل تلك الغرفة سريراً لرائحته؟
كنت تظن لك فيها حياة مؤقتة, كما لو كانتنزلاً تمر به, كما لو كنت عابر سرير. ولكن حيث تنام, ذات يوم, في اللحظة التيتتوقعها الأقل, تجتاحك رائحة الغياب, وتستيقظ فيك تلك الرائحة التي أفسدت عليك منذالبدء علاقتك بجسد زوجتك, حد جعلك تفرض عليها تناول حبوب منع الحمل لسنوات, خشيةمجيء صغير يعاني من " تشوهات الأسرية للأسرة"!
█║S│█│Y║▌║R│║█









كنت أجد فرحتي بعد ذلك فيالهروب إلى بيت عبد الحق, حيث أصبح لشهواتي سرير غير شرعي مع حياة. فعليك بلا توقفأن تخترع حياتك الأخرى المزورة, إنقاذاً لحياتك الحقيقية التي لا وهج فيها.
وكنتتزوجت امرأة لتقوم بالأشغال المنزلية داخلي, لتكنس ما خلّفت النساء الأخريات مندمار في حياتي, مستنجداً بالزواج الوقائي عساه يضع متاريس تجنبني انزلاقات الحياة, وإذ في ذلك الزواج اغتيال للحياة.
ذلك أن ثمة من يبتزك بدون أن يقول لك شيئاً, ذلك الابتزاز الصامت للضعفاء, الذي يجيز له التصرف بحياتك مذ وقعت في قبضته بحكمورقة ثبوتية.
ثمة من ينال منك, بدون أن يقصد إيذاءك, إنما باستحواذه عليك حدالإيذاء. ثمة من يربط سعادته بحقه في أن يجعلك تعيساً, بحكم أنه شريك لحياتك, تشعرأن الحياة معه أصبحت موتاً لك, ولا بد من المواجهة غير الجميلة مع شخص لم يؤذك, لميخنك, ولكنه يغتالك ببطئ.
تريد أن تستقيل من دور الزوج الصالح والسعيد الذيمثلته لسنوات, تفادياً منك للشجارات والخلافات. تريد أن تتنازل عن أوسكار التمثيلالذي كان يمكن أن تحصل عليه في البطولة الرجالية في فيلم " الحياة الزوجية". لالقلة حيلتك, فأنت ما زلت قادراً على مزيد من الأكاذيب التي تبتلعها امرأة دون جهد. ولكنك متعب, والحياة أقصر من أن تقضيها في حياكة الأكاذيب, والرعب اليومي الذيتعيشه أكبر من أن تزيد عليه الخوف من زوجتك.
ربما لكل هذه الأسباب اخترت أنأذهب للإقامة في ( مازفران) تأجيلاً لقرار الانفصال عن زوجتي التي برغم كل شيء كانيعز علي إيلامها.
نجحت يومها في قراءة ذلك الكتاب الصغير الذي اشتريته , قبل أنتلحق بي فرانسواز وتنزلق تحت الألحفة.. وتمنعني من إنهاء صفحاته الأخيرة.
ضممتهاوأنا أفكر في نساء تعيش معهن ولا تعاشرهن. وأخرى دون الجميع تحتاج أن تعاشر طيفهافي غفوتك.. أن تفكر بها في ذروة عزلتك. تحتاج لكي تبقى على قيد الحياة, أن تعلمأنها ما زالت على قيد ذكراك وأنها حتماً ستأتي.
ليلتها, وأنا أتقاسم سريراً معفرانسواز, عانقت غيرها ونمت متوسداً موعد.
الفصل السادس
ثم جاءت.
انخلعت أبواب الترقب علىتدفق ضوئها المباغت.
دخلت.. وتوقف العالم برهة عن الدوران.
توقف القلب دقة عنالخفقان كما لالتقاط الأنفاس من شهقة.
إعصار يتقدم في معطف فرو ترتديه امرأة. أيتها العناية الإلهية..
ألا ترفقت بي!
أيتها السماء.. أيها المطر.. يا جبالالألب.. خذوا علماً أنها جاءت.
التقينا إذن..
الذين قالوا: وحدها الجبال لاتلتقي أخطأوا, والذين بنوا بينها جسوراً لتتصافح من دون أن تنحني, لا يفهمون شيئاًفي قوانين الطبيعة.
الجبال لا تلتقي إلا في الزلازل والهزات الأرضية الكبرى, وعندها لا تتصافح إنما تتحول إلى تراب واحد.
أكان بوسعنا تفادي الكارثة؟ ها نحننلتقي حيث رتبت لنا المصادفة موعداً في آخر معاقل الحزن.. كلعنة.
عمي صباحاًسيدتي الجميلة.. كفاجعة.
هي ذي.. كيف يمكن فك الاشتباك مع عينيها. كل ما أردتهكان النظر إليها بعد هذا الغياب. كانت تبدو كشجرة ليمون. تساقط زهرها دهشة عندمارأتني. كان آخر مكان توقعت أن تراني فيه هو باريس, في معرض رسام أنكرت وجوده خارجكتاب.
قالت:
- شيء لا يصدق.
- هي حياة ندين بها لمصادفة اللقاءات.
ردتباندهاش جميل لا يخلو من الذعر:
- يا إلهي.. ما توقعت أبداً أن أراك هنا!
قلتمازحاً:
- ماذا أفعل إذا كان كل شيء يعيدك إلي.
كنت ألمّح لقولها مرة " كلشيء يعيدني إليك" وكنت أجبتها مصححاً آنذاك: " وكل شيء يبقيني فيكِ".
قالت معلقةبذكاء:
- ظننتك غيرت عنوان إقامتك منذ ذلك الحين!
أجبت وأنا أمازحها نافضاًسترتي:
- كما ترين: كلما هممت بمغادرتك تعثرت بكِ.
ثم واصلت:
- بالمناسبة.. أجمل ما يحدث لنا لا نعثر عليه بل نتعثر به.
كنت هنا أيضاً أصححقولها " أجمل حب.. هو الذي نعثر عليه أثناء بحثنا عن شيء آخر".
كيف الفكاك من حبتمكن منك حد اختراق لغتك, حتى أصبحت إحدى متعك فيه هتك أسرار اللغة؟
النشوة معهاحالة لغوية. لكأنني كنت أراقصها بالكلمات, أخاصرها, أطيِّرها, أبعثرها, ألملمها. وكانت خطى كلماتنا دوماً تجد إيقاعها منذ الجملة الأولى.
كنا في كل حوار راقصينيتزلجان على مرايا الجليد في ثياب احتفائية, منتعلين موسيقى الكلمات.
ذات مرةقالت:
- أحلم أن أفتح باب بيتك معك.
أجبتها على إيقاع التانغو, وأنا أعيدأحلامها خطوتين إلى الوراء:
- وأحلم أن أفتح الباب.. فألقاك.
لكن الحياة قلبتلنا الأدوار. هاهي ذي تفتح باب قاعة لتزور معرضاً فتلقاني. إنه ليس زمن التانغو, بلأزمنة الفالس, بدوارها المحموم وجملها المتخاصرة في تداخلها, وارتباك خطوتها الأولىبجمل منتشية, متداخلة, كتوتر شفتين قبل قبلة, لامرأة بلغت في غيابي ثلاثين سنة.. وبعض قُبَل. ويلزمها سبع قبلات أخرى, لتبلغ عمر حزني الموثق في شهادة لا تأخذ بعينالاعتبار, ميلادي على يديها ذات 30 أكتوبر على الساعة الواحدة والربع ظهراً.. فيمقهى!
الأشياء معها تبدأ كما تنتهي: على حافة ربع الساعة الأخيرة.
كانتتتأملني بارتباك المفاجأة. وكنا بعد سنتين من الغياب يتصفح أحدنا الآخر على عجل, وندخل صمتاً في حوارات طويلة لحديث لم يكن.
سألتها إن كان في رفقتهاأحد.
ردت:
- حضرت بمفردي.
- حسناً إذن أقترح أن تلقي نظرة على المعرض ثمأدعوك لنشرب شيئاً معاً في المقهى المجاور.
تعمدت أن أتركها تقوم بجولة بمفردها. أردت أن أحافظ على جمالية المسافة لأراها
█║S│█│Y║▌║R│║█
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
مواقع النشر (المفضلة)