









ذكر السبب في ذلك
ذكر أن الذي دعاه إلى الشخوص إليها أنه استثقل مدينة السلام، فكان يسميها البخار، فخرج إلى مرج القلعة، فاعتل بها، فانصرف، وسميت تلك السفرة سفرة المرتاد.
وفيها عزل الرشيد يزيد بن مزيد عن إرمينية، وولاها عبيد الله بن المهدي.
وغزا الصائفة فيها إسحاق بن سليمان بن علي.
وحج بالناس في هذه السنة يعقوب بن أبي جعفر المنصور.
وفيها وضع هارون عن أهل السواد العشر الذي كان يؤخذ منهم بعد النصف.
ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
ذكر الخبر عن وفاة سليمان
فمن ذلك وفاة محمد بن سليمان بالبصرة، لليال بقين من جمادى الآخرة منها.
وذكر أنه لما مات محمد بن سليمان وجه الرشيد إلى كل ما خلفه رجلًا أمره باصطفائه، فأرسل إلى ما خلف من الصامت من قبل صاحب بيت ماله رجلًا، وإلى الكسوة بمثل ذلك، وإلى الفرش والرقيق والدواب من الخيل والإبل، وإلى الطيب والجوهر وكل آلة برجلٍ من قبل الذي يتولى كل صنف من الأصناف، فقدموا البصرة، فأخذوا جميع ما كان لمحمد مما يصلح للخلافة، ولميتركوا شيئًا إلا الحرثي الذي لا يصلح للخلفاء، وأصابوا له ستين ألف ألف فحملوها مع ما حمل، فلما صارت في السفن أخبر الرشيد بمكان السفن التي حملت ذلك؛ فأمر أن يدخل جميع ذلك خزائنه إلا المال؛ فإنه أمر بصكاك فكتب للندماء، وكتب للمغنين صكاك صغار لم تدر في الديوان، ثم دفع إلى كل رجل صكًا بما رأى أن يهب له، فأرسلوا وكلاءهم إلى السفن، فأخذوا المال على ما أمر لهم به في الصكاك أجمع؛ لم يدخل منه بيت ماله دينار ولا درهم، واصطفى ضياعه؛ وفيها ضيعة يقال لها برشيد بالأهواز لها غلة كثيرة.
وذكر علي بن محمد، عن أبيه، قال: لما مات محمد بن سليمان أصيب في خزانة لباسه مذ كان صبيًا في الكتاب إلى أن مات مقادير السنين؛ فكان من ذلك ما عليه آثار النقش. قال: وأخرج من خزائنه ما كان يهدى له من بلاد السند ومكران وكرمان وفارس والأهواز واليمامة والري وعمان؛ من الألطاف والأدهان والسمك والحبوب والجبن، وما أشبه ذلك، ووجد أكثره فاسدًا. وكان من ذلك خمسمائة كنعدة ألقيت من دار جعفر ومحمد في الطريق؛ فكانت بلاء. قال: فمكثنا حينًا لا نستطيع أن نمر بالمربد من نتنها.
ذكر وفاة الخيزران أم الهادي والرشيد
وفيها توفيت الخيزران أم هارون الرشيد وموسى الهادي.
ذكر الخبر عن وقت وفاتها
ذكر يحيى بن الحسن أن أباه حدثه، قال: رأيت الرشيد يوم ماتت الخيزران، وذلك في سنة ثلاث وسبعين ومائة، وعليه جبة سعيدية وطيلسان خرق أزرق، قد شد به وسطه، وهو آخذ بقائمة السرير حافيًا يعدو في الطين؛ حتى أتى مقابر قريش فغسل رجليه، ثم دعا بخف وصلى عليها، ودخل قبرها، فلما خرج من المقبرة وضع له كرسي فجلس عليه، ودعا الفضل بن الربيع، فقال له: وحق المهدي - وكان لا يحلف بها إلا إذا اجتهد - إني لأهم لك من الليل بالشيء من التولية وغيرها، فتمنعني أمي فأطيع أمرها، فخذ الخاتم من جعفر. فقال الفضل بن الربيع لإسماعيل بن صبيح: أنا أجل أبا الفضل عن ذلك؛ بأن أكتب إليه وآخذه؛ ولكن إن رأى أن يبعث به! قال وولى الفضل نفقات العامة والخاصة وباد وريا والكوفة، وهي خمسة طساسيج، فأقبلت حاله تنمي إلى سنة سبع وثمانين ومائة.
وقيا إن وفاة محمد بن سليمان والخيزران كانت في يوم واحد.
وفيها أقدم الرشيد جعفر بن محمد بن الأشعث من خراسان، وولاها ابنه العباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث.
وحج بالناس فيها هارون؛ وذكر أنه خرج محرمًا من مدينة السلام.
ثم دخلت سنة أربع وسبعين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان بالشام من العصبية فيها.
وفيها ولى الرشيد إسحاق بن سليمان الهاشمي السند ومكران.
وفيها استقضى الرشيد يوسف بن أبي يوسف، وأبوه حي.
وفيها هلك روح بن حاتم.
وفيها خرج الرشيد إلى باقردى وبازبدى، وبنى بباقردى قصرًا، فقال الشاعر في ذلك:
بقردى وبازبدى مصيف ومربع ** وعذب يحاكي السلسبيل برود
وبغداد، ما بغداد، أما ترابها ** فخرء، وأما حرها فشديد
وغزا الصائفة عبد الملك بن صالح.
وحج بالناس فيها هارون الرشيد، فبدأ بالمدينة، فقسم في أهلها مالًا عظيمًا، ووقع الوباء في هذه السنة بمكة، فأبطأ عن دخولها هارون، ثم دخلها يوم التروية، فقضى طوافه وسعيه ولم ينزل بمكة.
ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
ذكر الخبر عن البيعة للأمين
فمن ذلك عقد الرشيد لابنه محمد بمدينة السلام من بعده ولاية عهد المسلمين وأخذه بيعة القواد والجند، وتسميته إياه الأمين، وله يومئذ خمس سنين، فقال سلم الخاسر:
قد وفق الله الخليفة إذ بنى ** بيت الخليفة للهجان الأزهر
فهو الخليفة عن أبيه وجده ** شهدًا عليه بمنظر وبمخبر
قد بايع الثقلان في مهد الهدى ** لمحمد بن زبيدة ابنة جعفر
ذكر الخبر عن سبب بيعة الرشيد له
وكان السبب في ذلك - فيما ذكر روح مولى الفضل بن يحيى، فقال له: أنشدك الله لما عملت في البيعة لابن أختي - يعني محمد بن زبيدة بنت جعفر بن المنصور - فإنه ولد لك وخلافته لك، فوعده أن يفعل، وتوجه الفضل على ذلك؛ وكانت جماعة من بني العباس قد مدوا أعناقهم إلى الخلافة بعد الرشيد؛ لأنه لم يكن له ولي عهد؛ فلما بايع له، أنكروا بيعته لصغر سنه.
قال: وقد كان الفضل لما تولى خراسان أجمع على البيعة لمحمد؛ فذكر محمد بن الحسين بن مصعب أن الفضل بن يحيى لما صار إلى خراسان، فرق فيهم أموالًا، وأعطى الجند أعطيات متتابعات، ثم أظهر البيعة لمحمد بن الرشيد؛ فبايع الناس له وسماه الأمين، فقال في ذلك النمري:
أمست بمرو على التوفيق قد صفقت ** على يد الفضل أيدي العجم والعرب
ببيعة لولي العهد أحكمها ** بالنصح منه وبالاٍشفاق والحدب
قد وكد الفضل عقدًا لا انتقاض له ** لمصطفى من بني العباس منتخب
قال: فلما تناهى الخبر إلى الرشيد بذلك، وبايع له أهل المشرق، بايع لمحمد، وكتب إلى الآفاق، فبويع له في جميع الأمصار، فقال أبان اللاحقي في ذلك:
عزمت أمير المؤمنين على الرشد ** برأي هدى، فالحمد لله ذي الحمد
وعزل فيها الرشيد عن خراسان العباس بن جعفر، وولاها خاله الغطريف ابن عطاء.
وفيها صار يحيى بن عبد الله بن حسن إلى الديلم، فتحرك هناك.
وغزا الصائفة في هذه السنة عبد الملك بن صالح فبلغ إقريطية. وقال الوافدي: الذي غزا الصائفة في هذه السنة عبد الملك بن صالح، قال: وأصابهم في هذه الغزاة برد قطع أيديهم وأرجلهم.
وحج بالناس فيها هارون الرشيد.
ثم دخلت سنة ست وسبعين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من تولية الرشيد الفضل بن يحيى كور الجبال وطبرستان ودنباوند وقومس وإرمينية وأذربيجان. وفيها ظهر يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب بالديلم.
ذكر الخبر عن مخرج يحيى بن عبد الله وما كان من أمره
ذكر أبو حفص الكرماني، قال: كان أول خبر يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب أنه ظهر بالديلم، واشتدت شوكته، وقوي أمره، ونزع إليه الناس من الأمصار والكور، فاغتنم لذلك الرشيد، ولم يكن في تلك الأيام يشرب النبيذ، فندب إيه الفضل بن يحيى في خمسين ألف رجل، ومعه صناديد القواد، وولاه كور الري وجرجان وطبرستان وقومس ودنباوند والرويان، وحملت معه الأموال، ففرق الكور على قواده، فولى المثنى بن الحجاج بن قتيبة بن مسلم طبرستان، وولى علي بن الحجاج الخزاعي جرجان، وأمر له بخمسمائة ألف درهم، وعسكر بالنهرين، وامتدحه الشعراء، فأعطاهم أكثر، وتوسل إليه الناس بالشعر، ففرق فيهم أموالا كثيرة. وشخص الفضل بن يحي، واستحلف منصور بن زياد بباب أمير المؤمنين، تجري كتبه على يديه، وتنفذ الجوابات عنها إليه، وكنوا يثقون بمنصور وابنه في جميع أمورهم؛ لقديم صحبته لهم، وحرمته بهم. ثم مضى من معسكره، فلم تزل كتب الرشيد تتابع إليه بالبر واللطف والجوائز والخلع؛ فكاتب يحيى ورفق به واستماله، وناشده وحذره، وأشار عليه، وبسط أمله. ونزل الفضل بطالقان الري ودستبي بموضع يقال له أشب؛ وكان شديد البرد كثير الثلوج؛ ففي ذلك يقول أبان بن عبد الحميد اللاحقي:
لدور أمس بالدولا ** ب حيث السيب ينعرج
أحب إلي من دور ** أشب إذا هم ثلجوا
قال: فأقام الفضل بهذا الموضع، وواتر كتبه على يحي، وكاتب صاحب الديلم، وجعل له ألف ألف درهم؛ على أن يسهل له خروج يحيى إلى ما قبله، وحملت إليه، فأجاب يحيى إلى الصلح والخروج على يديه، على أن يكتب له الرشيد أمانًا بخطه على نسخة يبعث بها إليه. فكتب الفضل بذلك إلى الرشيد، فسره وعظم موقعه عنده، وكتب أمانًا ليحي بن عبد الله، وأشهد عليه الفقهاء والقضاة وجلة بي هاشم ومشايخهم؛ منهم عبد الصمد بن علي والعباس ابن محمد ومحمد بن إبراهيم وموسى بن عيسى ومن أشبههم، ووجه به مع جوائز وكرامات وهدايا، فوجه الفضل بذلك إليه، فقدم يحيى بن عبد الله عليه، وورد به الفضل بغداد، فلقيه الرشيد بكل ما أحب، وأمر له بمال كثير، وأجرى له أرزاقًا سنية، وأنزله منزلا سريًا بعد أن أقام في منزل يحيى بن خالد أيامًا، وكان يتولى أمره بنفسه، ولا يكل ذلك إلى غيره، وأمر الناس بإتيانه بعد انتقاله من منزل يحيى والتسليم عليه، وبلغ الرشيد الغاية في إكرام الفضل؛ ففي ذلك يقول مروان بن أبي حفصة:
ظفرت فلا شلت يد برمكية ** رتقت بها الفتق الذي بين هاشم
على حين أعيا الراتقين التئامه ** فكفوا وقالوا ليس بالمتلائم
فأصبحت قد فازت يداك بخطة ** من المجد باق ذكرها في المواسم
وما زال قدح الملك يخرج فائزًا ** لكم كلما ضمت قداح المساهم
قال: وأنشدني أبو ثمامة الخطيب لنفسه فيه:
للفضل يوم الطالقان وقبله ** يوم أناخ به على خاقان
ما مثل يوميه اللذين تواليا ** في غزوتين توالتا يومان
سد الثغور ورد ألفة هاشم ** بعد الشتات، فشعبها متدان
عصمت حكومته جماعة هاشم ** من أن يجرد بينها سيفان
تلك الحكومة لا التي عن لبسها ** عظم النبأ وتفرق الحكمان
فأعطاه الفضل مائة ألف درهم، وخلع عليه، وتغنى إبراهيم به.
وذكر أحمد بن محمد بن جعفر، عن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن، قال: لما قدم يحيى بن عبد الله من الديلم أتيته، وهو في دار علي بن أبي طالب، فقلت: يا عم، ما بعدك مخبر ولا بعدي مخبر؛ فأخبرني خبرك، فقال: يا ابن أخي، والله إن كنت إلا كما قال يحيى ابن خطب:
لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه ** ولكنه من يخذل الله يخذل
لجاهد حتى أبلغ النفس حمدها ** وقلل يبغي العز كل مقلل










وذكر بعضهم أن عبد الله بن مصعب كان على خبر الناس للرشيد، فكان أخبره عن أنس أنه على الزندقة، فقتله لذلك، وكان أحد أصحاب البرامكة.
وذكر محمد بن إسحاق أن جعفر بن محمد بن حكيم الكوفي، حدثه قال: حدثني السندي بن شاهك، قال: إني لجالس يومًا، فإذا أنا بخادم قد قدم على البريد، ودفع إلي كتابًا صغيرًا، ففضضته، فإذا كتاب الرشيد بخطه فيه: " بسم الله الرحمن الرحيم ": يا سندي، إذا نظرت في كتابي هذا، فإن كنت قاعدًا فقم، وإن كنت قائمًا فلا تقعد حتى تصير إلي. قال السندي: فدعوت بدوابي، ومضيت. وكان الرشيد بالعمر؛ فحدثني العباس بن الفضل بن الربيع، قال: جلس الرشيد في الزو في الفرات ينتظرك، وارتفعت غبرة، فقال لي: يا عباس، ينبغي أن يكون هذا السندي وأصحابه! قلت: يا أمير المؤمنين، ما أشبهه أن يكون هو! قال: فطلعت. قال السندي: فنزلت عن دابتي، ووقفت، فأرسل إلي الرشيد فصرت إليه، ووقفت ساعة بين يديه، فقال لمن كان عنده من الخدم: قوموا، فقاموا فلم يبق إلا العباس بن الفضل وأنا، ومكث ساعة، ثم قال للعباس: اخرج ومر برفع التخاتج المطروحة على الزو، ففعل ذلك، فقال لي: ادن مني، فدنوت منه، فقال لي: تدري فيما أرسلت إليك؟ قلت: لا والله يا أمير المؤمنين، قال: قد بعثت إليك في أمر لو علم به زر قميصي رميت به في الفرات، يا سندي من أوثق قوادي عندي؟ قلت: هرثمة، قال: صدقت، فمن أوثق خدمي عندي؟ قلت: مسرور الكبير، قال: صدقت، امض من ساعتك هذه وجد في سيرك حتى توافي مدينة السلام، فاجمع ثقات أصحابك وأرباعك، ومرهم أن يكونوا وأعوانهم على أهبة فإذا انقطعت الزجل، فصر إلى دور البرامكة، فوكل بكل باب من أبوابهم صاحب ربع، ومره أن يمنع من يدخل ويخرج - خلا باب محمد بن خالد - حتى يأتيك أمري. قال: ولم يكن حرك البرامكة في ذلك الوقت. قال السندي: فجئت أركض، حتى أتيت مدينة السلام، فجمعت أصحابي، وفعلت ما أمرني به. قال: فلم ألبث أن أقدم على هرثمة بن أعين، ومعه جعفر بن يحيى على بغل بلا أكاف، مضروب العنق، وإذا كتاب أمير المؤمنين يأمرني أن أشطره باثنين؛ وأن أصلبه على ثلاثة جسور. قال: ففعلت ما أمرني به.
قال محمد بن إسحاق: فلم يزل جعفر مصلوبًا حتى أراد الرشيد الخروج إلى خراسان، فمضيت فنظرت إليه، فلما صار بالجانب الشرقي على باب خزيمة بن خازم، دعا بالوليد بن جثم الشاري من الحبس، وأمر أحمد بن الجنيد الختلي - وكان سيافه - فضرب عنقه، ثم التفت إلى السندي، فقال: ينبغي أن يحرق هذا - يعني جعفرًا - فلما مضى، جمع السندي له شوكًا وحطبًا وقال محمد بن إسحاق: لما قتل الرشيد جعفر بن يحيى، قيل ليحيى بن خالد: قتل أمير المؤمنين ابنك جعفرًا، قال: كذلك يقتل ابنه، قال: فقيل له: خربت ديارك، قال: كذلك تخرب دورهم.
وذكر الكرماني أن بشارًا التركي حدثه أن الرشيد خرج إلى الصيد وهو بالعمر في اليوم الذي قتل جعفرًا في آخره؛ فكان ذلك اليوم يوم جمعة، وجعفر بن يحيى معه، قد خلا به دون ولاة العهد؛ وهو يسير معه، وقد وضع يده على عاتقه؛ وقبل ذلك ما غلفه بالغالية بيد نفسه؛ ولم يزل معه ما يفارقه حتى انصرف مع المغرب، فلما أراد الدخول ضمه إليه، وقال له: لولا أني علي الجلوس الليلة مع النساء لم أفارقك، فأقم أنت في منزلك، واشرب أيضًا واطرب؛ لتكون أنت في مثل حالي، فقال: لا والله ما أشتهي ذلك إلا معك، فقال له: بحياتي لما شربت؛ فانصرف عنه إلى منزله؛ فلم تزل رسل الرشيد عنده ساعة بعد ساعة تأتيه بالأنفال والأبخرة والرياحين؛ حتى ذهب الليل. ثم بعث إليه مسرورًا فحبس عنده، وأمر بقتله وحبس الفضل ومحمد وموسى، ووكل سلامًا الأبرش بباب يحيى بن خالد، ولم يعترض لمحمد بن خالد ولا لأحد من ولده وحشمه.
قال: فحدثني العباس بن بزيع عن سلام، قال: لما دخلت على يحيى في ذلك الوقت - وقد هتكت الستور وجمع المتاع - قال لي: يا أبا مسلمة؛ هكذا تقوم الساعة! قال سلام: فحدثت بذلك الرشيد بعد ما انصرفت إليه؛ فأطرق مفكرًا.
قال وحدثني أيوب بن هارون بن سليمان بن علي، قال: كان سكني إلى يحيى، فلما نزلوا الأنبار خرجت إليه فأنا معه في تلك العشية التي كان آخر أمره، وقد صار إلى أمير المؤمنين في حراقته، فدخل إليه من باب صاحب الخاصة، فكلمه في حوائج الناس وغيرها من إصلاح الثغور وغزو البحر، ثم خرج، فقال للناس: قد أمر أمير المؤمنين بقضاء حوائجكم، وبعث إلى أبي صالح بن عبد الرحمن يأمره بإنفاذ ذلك، ثم لم يزل يحدثنا عن أبي مسلم وتوجيه معاذ بن مسلم حتى دخل منزله بعد المغرب، ووافانا في وقت السحر خبر مقتل جعفر وزوال أمرهم. قال: فكتبت إلى يحيى أعزيه، فكتب إلي: أنا بقضاء الله راض، وبالخيار منه عالم، ولا يؤاخذ الله العباد إلا بذنوبهم، وما ربك بظلام للعبيد. وما يعفو الله أكثر، ولله الحمد.
قال: قتل جعفر بن يحيى ليلة السبت أول ليلة من صفر سنة سبع وثمانين ومائة وهو ابن سبع وثلاثين سنة، وكانت الوزارة إليهم سبع عشرة سنة - وفي ذلك يقول الرشاقي:
أيا سبت يا شر السبوت صبحيةً ** ويا صفر المشئوم ما جئت أشأما
أتى السبت بالأمر الذي هد ركننا ** وفي صفرٍ جاء البلاء مصمما
قال: وذكر عن مسرور أنه أعلم الرشيد أن جعفرًا سأله أن تقع عينه عليه، فقال: لا، لأنه يعلم إن وقعت عيني عليه لم أقتله.
ما قيل في البرامكة من الشعر بعد زوال أمرهم
قال: وفيهم يقول الرقاشي، وقد ذكر أن هذا الشعر لأبي نواس:
ألان استرحنا واستراحت ركابنا ** وأمسك من يجدي ومن كان يجتدي
فقل للمطايا قد أمنت من السري ** وطي الفيافي فدفدًا بعد فدفد
وقل للمنايا: قد ظفرت بجعفرٍ ** ولن تظفري من بعده بمسود
وقل للعطايا بعد فضلٍ تعطلي ** وقل للرزايا كل يوم تجددي
ودونك سيفًا برمكيًا مهندًا ** أصيب بسيفٍ هاشمي مهند
وفيهم يقول في شعر له طويل:
إن يغدر الزمن الخئون بنا فقد ** غدر الزمان بجعفرٍ ومحمد
حتى إذا وضح النهار تكشفت ** عن قتل أكرم هالك لم يلحد
والبيض لولا أنها مأمورة ** ما فل حد مهند بمهند
يا آل برمك كم لكم من نائل ** وندى، كعد الرمل غير مصرد
إن الخليفة لايشك أخوكملكنه في برمكٍ لم يولد
نازعتموه رضاع أكرم حرةٍ ** مخلوقة من جوهرٍ وزبرجد
ملك له كانت يد فياضة ** أبدًا تجود بطارفٍ وبمتلد
كانت يدًا للجود حتى غلها ** قدر فأضحى الجود مغلول اليد
وفيهم يقول سيف بن إبراهيم:
هوت أنجم لجدوى وشلت يد الندى ** وغاضت بحور الجود بعد البرامك
هوت أنجم كانت لأبناء برمكٍ ** بها يعرف الحادي طريق المسالك
وقال بن أبي كريمة:
كل معير أعير مرتبةً ** بعد فتى برمكٍ على غرر
صالت عليه من الزمان يد ** كان بها صائلًا على البشر
وقال العطوي أبو عبد الرحمن:
أما والله لولا قول واشٍ ** وعين للخليفة لا تنام
لطفنا حول جذعك واستلمنا ** كما للناس بالحجر استلام
على الدنيا وساكنها جميعًا ** ودولة آل برمكٍ السلام
وفي قتل جعفر قال أبو العتاهية:
قولا لمن يرتجي الحياة أما ** في جعفرٍ عبرة ويحياه!
كانا وزيري خليفة الله ها ** رون هما ما هما خليلاه
فذاكم جعفر برمته ** في حلق رأسه ونصفاه
والشيخ يحيى الوزير أصبح قد ** نحاه عن نفسه وأقصاه
شتت بعد التجميع شملهم ** فأصبحوا في البلاد قد تاهوا
كذاك من يسخط الإله بما ** يرضي به العبد قد تاهوا
سبحان من دانت الملوك له ** أشهد أن لا إله إلا هو
طوبى لمن تاب بعد غرته ** فتاب قبل الممات، طوباه!
قال: وفي هذه السنة هاجت العصبية بدمشق بين المضرية واليمانية، فوجه الرشيد محمد بن منصور بن زياد فأصلح بينهم.
وفيها زلزلت المصيصة فانهدم بعض سورها، ونضب ماؤهم ساعة الليل.
وفيها خرج عبد السلام بآمد، فحكم، فقتله يحيى بن سعيد العقيلي.
وفيها مات يعقوب بن داود بالرقة.
وفيها أغزى الرشيد ابنه القاسم الصائفة، فوهبه لله، وجعله قربانًا له ووسيلة، وولاه العواصم.
ذكر الخبر عن غضب الرشيد على عبد الملك بن صالح
وفيها غضب الرشيد على عبد الملك بن صالح وحبسه.
ذكر الخبر عن سبب غضبه عليه وما أوجب حبسه










خبر مقتل إبراهيم بن عثمان بن نهيك
وفيها قتل - في قول الوافدي - إبراهيم بن عثمان بن ناهيك. وأما غير الواقدي؛ فإنه قال: في سنة ثمان وثمانين ومائة.
ذكر الخبر عن سبب مقتله
ذكر عن صالح الأعمى - وكان في ناحية إبراهيم بن عثمان بن نهيك - قال: كان إبراهيم بن عثمان كثيرًا ما يذكر جعفر بن يحيى والبرامكة، فيبكي جزعًا عليهم، وحبًا لهم، إلى أن خرج من حد البكاء، ودخل في باب طالبي الثأر والإحن، فكان إذا خلا بجواريه وشرب وقوي عليه النبيذ، قال: يا غلام، سيفي ذا المنية - وكان قد سمى سيفه ذا المنية - فيجيئه غلامه بالسيف فينتضيه، ثم يقول: وا جعفراه! وا سيداه! والله لأقتلن قاتلك، ولأثأرن بدمك عن قليل! فلما كثر هذا من فعله، جاء ابنه عثمان إلى الفضل بن الربيع، فأخبره بقوله، فدخل الفضل فأخبر الرشيد، فقال: أدخله، فدخل فقال: ما الذي قال الفضل عنك؟ فأخبره بقول أبيه وفعله، فقال الرشيد: فهل سمع هذا أحد معك؟ قال: نعم خادمه نوال، فدعا خادمه سرًا فسأله، فقال: لقد قال ذلك غير مرة ولا مرتين، فقال الرشيد: ما يحل لي أن أقتل وليًا من أوليائي بقول غلام وخصي، لعلهما تواصيا على هذه المنافسة؛ الابن على المرتبة، ومعاداة الخادم لطول الصحبة، فترك ذلك أيامًا، ثم أراد أن يمتحن إبراهيم بن عثمان بمحنة تزيل الشك عن قلبه، والخاطر عن وهمه، فدعا الفضل بن الربيع، فقال: إني أريد محنة إبراهيم بن عثمان فيما رفع ابنه عليه؛ فإذا رفع الطعام فادع بالشراب، وقل له: أجب أمير المؤمنين فينادمك؛ إذ كنت منه بالمحل الذي أنت به، فإذا شرب فاخرج وخلني وإياه، ففعل ذلك الفضل بن الربيع؛ وقعد إبراهيم للشراب، ثم وثب حين وثب الفضل بن الربيع للقيام، فقال الرشيد: مكانك يا إبراهيم، فقعد، فلما طابت نفسه، أومأ الرشيد إلى الغلمان فينحوا عنه، ثم قال: يا إبراهيم، كيف أنت وموضع السر منك؟ قال: يا سيدي إنما أنا كأخص عبيدك، وأطوع خدمك؛ قال: إن في نفسي أمرًا أريد أن أودعكه، وقد ضاق صدري به، وأسهرت به ليلي، قال: يا سيدي إذًا لا يرجع عني إليك أبدًا، وأخفيه عن جنبي أن يعلمه، ونفسي أن تذيعه. قال: ويحك! إني ندمت على قتل جعفر بن يحيى ندامةً ما أحسن أن أصفها؛ فوددت أني خرجت من ملكي وأنه كان بقي لي؛ فما وجدت طعم النوم منذ فارقته، ولا لذة العيش منذ قتلته! قال: فلما سمعها إبراهيم أسبل دمعه، وأذرى عبرته، وقال: رحم الله أبا الفضل، وتجاوز عنه! والله يا سيدي لقد أخطأت في قتله، وأوطئت العشوة في أمره! وأين يوجد في الدنيا مثله! وقد كان منقطع القرين في الناس أجمعين. فقال الرشيد: قم عليك لعنة الله يابن اللخناء! فقام ما يعقل ما يطأ، فانصرف إلى أمه، فقال: يا أم، ذهبت والله نفسي، فقالت: كلا إن شاء الله، وما ذاك يا بني؟ قال: ذاك أن الرشيد امتحنني بمحنة والله؛ ولو كان لي ألف نفس لم أنج بواحدة منها. فما كان بين هذا وبين أن دخل عليه ابنه - فضربه بسيفه حتى مات - إلا ليال قلائل.
وحج بالناس في هذه السنة عبيد الله بن العباس بن محمد بن علي.
ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
ذكر خبر غزو إبراهيم بن جبريل الصائفة
فمما كان فيها من ذلك غزو إبراهيم بن جبريل الصائفة، ودخوله أرض الروم من درب الصفصاف، فخرج للقائه نقفور، فوردعليه من ورائه أمر صرفه عن لقائه، فانصرف، ومر بقوم من المسلمين، فجرح ثلاث جراحات، وانهزم. وقتل من الروم - فيما ذكر - أربعون ألفًا وسبعمائة، وأخذ أربعة آلاف دابة.
وفيها رابط القاسم بن الرشيد بدابق.
وحج بالناس فيها الرشيد، فجعل طريقه على المدينة، فأعطى أهلها نصف العطاء؛ وهذه الحجة هي آخر حجة حجها الرشيد، فيما زعم الواقدي وغيره.
ثم دخلت سنة تسع وثمانين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
ذكر خبر شخوص الرشيد إلى الري
فمن ذلك ما كان من شخوص الرشيد أمير المؤمنين فيها إلى الري.
ذكر الخبر عن سبب شخوصه إليها وما أحدث في خرجته تلك في سفره
ذكر أن الرشيد كان استشار يحيى بن خالد في تولية خراسان علي بن عيسى بن ماهان، فأشار عليه ألا يفعل، فخالفه الرشيد في أمره، وولاه إياها، فلما شخص علي بن عيسى إليها ظلم الناس، وعسر عليهم، وجمع مالًا جليلًا، ووجه إلى هارون منها هدايا لم ير مثلها قط من الخيل والرقيق والثيلب والمسك والأموال، فقعد هارون بالشماسية على دكان مرتفع حين وصل ما بعث به إليه، وأحضرت تلك الهدايا فعرضت عليه، فعظمت في عينه، وجل عنده قدرها، وإلى جانبهيحيى بن خالد، فقال له: يا أبا علي؛ هذا الذي أشرت علينا ألا نوليه هذا الثغر، فقد خالفناك فيه، فكان في خلافك البركة - وهو كالمازح معه إذ ذاك - فقد ترى ما أنتج رأينا فيه، وما كان من رأيك! فقال: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك! أنا وإن كنت أحب أن أصيب في رأيي وأوفق في مشورتي، فأنا أحب من ذلك أن يكون رأي أمير المؤمنين أعلى، وفراسته أثقب، وعلمه أكثر من علمي، ومعرفته فوق معرفتي؛ وما أحسن هذا وأكثره وإن لم يكن وراءه ما يكره أمير المؤمنين، وما أسأل الله أن يعيذه ويعفيه من سوء علقبته ونتائج مكروهه، قال: وما ذاك؟ فأعلمه، قال: ذاك أني أحسب أن هذه الهدايا ما اجتمعت له حتى ظلم فيها الأشراف، وأخذ أكثرها ظلمًا وتعديًا؛ ولو أمرني أمير المؤمنين لأتيته بضعفها الساعة من بعض تجار الكرخ، قال: وكيف ذاك؟ قال: قد ساومنا عونًا على السفط الذي جاءنا به من الجوهر، وأعطيناه به سبعة آلاف ألف، فأبى أن يبيعه، فأبعث إليه الساعة بحاجتي فآمره أن يرده إلينا؛ لنعيد فيه نظرنا؛ فإذا جاء به جحدناه، وربحنا سبعة آلاف ألف، ثم كنا نفعل بتاجرين من كبار التجار مثل ذلك. وعلى أن هذا أسلم عاقبة، وأستر أمرًا من فعل علي بن عيسى في هذه الهدايا بأصحابها، فأجمع لأمير المؤمنين في ثلاث ساعات أكثر من قيمة هذه الهدايا بأهون سعي، وأيسر أمر، وأجمل جباية؛ مما جمع علي في ثلاث سنين.
فوقرت في نفس الرشيد وحفظها، وأمسك على ذكر علي بن عيسى عنده، فلما عاث علي بن عيسى بخراسان ووتر أشرافها، وأخذ أموالهم، واستخف برجالهم، كتب رجال من كبرائها ووجوهها إلى الرشيد، وكتبت جماعة من كورها إلى قراباتها وأصحابها، تشكو سوء سيرته، وخبث طعمته، ورداءة مذهبه، وتسأل أمير المؤمنين أن يبدلها به من أحب من كفاته وأنصاره وأبناء دولته وقواده. فدعا يحيى بن خالد، فشاوره في أمر علي بن عيسى وفي صرفه، وقال له: أشر علي برجل ترضاه لذلك الثغر يصلح ما أفسد الفاسق، ويرتق ما فتق. فأشار عليه بيزيد بن مزيد، فلم يقبل مشورته.
وكان قيل للرشيد: إن علي بن عيسى قد أجمع على خلافك، فشخص إلى الري من أجل ذلك، منصرفه من مكة، فعسكر بالنهروان لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى، ومعه ابناه عبد الله المأمون والقاسم، ثم سار إلى الري، فلما صار بقرماسين أشخص إليه جماعة من القضاة وغيرهم، وأشهدهم أن جميع ما له في عسكره ذلك من الأموال والخزائن والسلاح والكراع وما سوى ذلك لعبد الله المأمون، وأنه ليس فيه قليل ولا كثير. وجدد البيعة له على من كان معه، ووجه هرثمة بن أعين صاحب حرسه إلى بغداد، فأعاد أخذ البيعة على محمد بن هارون الرشيد وعلى من بحضرته لعبد الله والقاسم، وجعل أمر القاسم في خلعه وإقراره إلى عبد الله؛ إذا أفضت الخلافة إليه. ثم مضى الرشيد عند انصراف هرثمة إليه إلى الري، فأقام بها نحوًا من أربعة أشهر؛ حتى قدم عليه علي بن عيسى من خراسان بالأموال والهدايا والطرف، من المتاع والمسك والجوهر وآنية الذهب والفضة والسلاح والدواب، وأهدى بعد ذلك إلى جميع من كان معه من ولده وأهل بيته وكتابه وخدمه وقواده على قدر طبقاتهم ومراتبهم، ورأى منه خلاف ما كان ظن به وغير ما كان يقال فيه. فرضي عنه، ورده إلى خراسان، وخرج وهومشيع له؛ فذكر أن البيعة أخذت للمأمون والقاسم بولاية العهد بعد أخويه محمد وعبد الله، وسمي المؤتمن حين وجه هارون هرثمة لذلك بمدينة السلام يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب من هذه السنة، فقال الحسن بن هلنئ في ذلك:
تبارك من ساس الأمور بعلمه ** وفضل هارونًا على الخلفاء
نزال بخير ما انطوينا على التقى ** وما ساس دنيانا أبو الأمناء
وفي هذه السنة - حين صار الرشيد إلى الري - بعث حسينًا الخادم إلى طبرستان، فكتب له ثلاثة كتب؛ من ذلك كتاب فيه أمان لشروين أبي قارن، والآخر فيه أمان لونداهرمز، جد مازيار، والثالث فيه أمان لمرزيان بن جستان، صاحب الديلم. فقدم عليه صاحب الديلم، فوهب له وكساه ورده. وقدم عليه سعيد الحرشي بأربعمائة بطل من طبرستان، فأسلموا على يد الرشيد، وقدم ونداهرمز، وقبل الأمان، وضمن السمع والطاعة وأداء الخراج، وضمن على شروين مثل ذلك؛ فقبل ذلك منه الرشيد وصرفه، ووجه معه هرثمة فأخذ ابنه وابن شروين رهينة. وقدم عليه الري أيضًا خزيمة بن خازم، وكان والي إرمينية، فأهدى هدايا كثيرة.
وفي هذه السنة ولى هارون عبد الله بن مالك طبرستان والري والرويان ودنباوند وقومس وهمذان. وقال أبو اللعتاهية في خرجة هارون هذه - وكان هارون ولد بالري:
إن أمين الله في خلقه ** حن به البر إلى مولده
ليصلح الري وأقطارها ** ويمطر الخير بها من يده
وولى هارون في طريقه محمد بن الجنيد الطريق ما بين همذان والري، وولى عيسى بن جعفر بن سليمان عمان، فقطع البحر من ناحية جزيرة ابن كاوان، فافتتح حصنًا بها وحاصر آخر، فهجم عليه ابن مخلد الأزدي وهو غار، فأسره وحمله إلى عمان في ذي الحجة، وانصرف الرشيد بعد ارتحال علي بن عيسى إلى خراسان عن الري بأيام، فأدركه الأضحى بقصر اللصوص؛ فضحى بها، ودخل مدينة السلام يوم الاثنين، لليلتين نقيتا من ذي الحجة، فلما مر بالجسر أمر بإحراق جثة جعفر بن يحيى، وطوى بغداد ولم ينزلها، ومضى من فوره متوجهًا إلى الرقة، فنزل السيلحين.
وذكر عن بعض قواد الرشيد أن الرشيد قال لما ورد بغداد: والله إني لأطوي مدينةً ما وضعت بشرق ولا غرب مدينة أيمن ولا أيسر منها؛ وإنها لوطني ووطن آبائي، ودار مملكة بني العباس ما بقوا وحافظوا عليها؛ وما رأى أحد من آبائي سوءًا ولا نكبة منها، ولا سيء بها أحد منهم قط، ولنعم الدار هي! ولكني أريد المناخ على ناحية أهل الشقاق والنفاق والبغض لأئمة الهدى والحب لشجرة اللعنة - بني أمية - مع ما فيها من المارقة والمتلصصة ومخيفي السبيل؛ ولولا ذلك ما فارقت بغداد ما حييت ولا خرجت عنها أبدًا.
وقال العباس ن الأحنف في طي الرشيد بغداد:
ما أنخنا حتى ارتحلنا فما نف ** رق بين المناخ والارتحال
ساءلونا عن حالنا إذ قدمنا ** فقرنا وداعهم بالسؤال
وفي هذه السنة كان الفداء بين المسلمين والروم مسلم إلا فودي به - فيما ذكر - فقال مروان بن أبي حفصة في ذلك:
وفكت بك الأسرى التي شيدت لهل ** محابس ما فيها حميم يزورها
على حين أعيا المسلمين فكاكها ** وقالوا: سجون المشركين قبورها
ورابط فيها القاسم بدابق.
وحج بالناس فيها العباس بن موسى بن عيسى بن موسى.
ثم دخلت سنة تسعون ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
ذكر خبر ظهور خلاف رافع بن ليث
فمن ذلكما كان من ظهور خلاف رافع بن ليث بن نصر بن سيار بسمرقند، مخالفًا لهارون وخلعه إياه، ونزعه يده من طاعته.
ذكر الخبر عن سبب ذلك
وكان سبب ذلك - فيما ذكر لنا - أن يحيى بن الأشعث بن يحيى الطائي تزوج ابنة لعمه أبي النعمان، وكانت ذات يسار، فأقام بمدينة السلام، وتركها بسمرقند، فلما طال مقامه بها، وبلغها أنه قد اتخذ أمهات أولاد، التمست سببًا للتخلص منه، فعي عليها، وبلغ رافعًا خبرها، فطمع فيها وفي مالها، فدس إليها من قال لها: إنه لا سبيل لها إلى التخلص من صاحبها؛ إلا أن تشرك بالله، وتحضر لذلك قومًا عدولًا، وتكشف شعرها بين أيديهم، ثم تتوب فتحل للأزواج؛ ففعلت ذلك وتزوجها رافع. وبلغ الخبر يحيى بن الأشعث، فرفع ذلك إلى الرشيد، فكتب إلى علي بن عيسى يأمره أن يفرق بينهما، وأن يعاقب رافعًا ويجلده الحد، ويقيده ويطوف به في مدينة سمرقند مقيدًا على حمار؛ حتى يكون عظة لغيره. فدرأ سليمان بن حميد الأزدي عنه الحد، وحمله على حمار مقيدًا حتى طلقها، ثم حبسه في سجن سمرقند - فلحق بعلي بن عيسى ببلخ، فطلب الأمان فلم يجبه علي إليه، وهم بضرب عنقه، فكلمه فيه ابنه عيسى بن علي، وجدد طلاق المرأة، وأذن له في الانصراف إلى سمرقند، فانصرف إليها، فوثب بسليمان بن حميد؛ عامل علي بن عيسى فقتله. فوجه علي بن عيسى إليه ابنه، فمال الناس إلى سباع بن مسعدة، فرأسوه عليهم، فوثب على رافع فقيده، فوثبوا على سباع، فقيدوه ورأسوا رافعًا وبايعوه، وطابقه من وراء النهر، ووافاه عيسى بن علي، فلقيه رافع فهزمه، فأخذ علي بن عيسى في فرض الرجال والتأهب للحرب.
وفي هذه السنة غزا الرشيد الصائفة، واستخلف ابنه عبد الله المأمون بالرقة وفوض إليه الأمور، وكتب إلى الآفاق بالسمع له والطاعة، ودفع إليه خاتم المنصور يتيمن به؛ وهو خاتم الخاصة، نقشه: " الله ثقتي آمنت به ".
وفيها أسلم الفضل بن سهل على يد المأمون.
وفيها خرجت الروم إلى عين زربة وكنيسة السوداء، فأغارت وأسرت، فاستنقذ أهل المصيصة ما كان في أيديهم.
فتح الرشيد هرقلة
وفيها فتح الرشيد هرقلة، وبث الجيوش والسرايا بأرض الروم؛ وكان دخلها - فيما قيل - في مائة ألف وخمسة وثلاثين ألف مرتزق؛ سوى الأتباع وسوى المطوعة وسوى من لا ديوان له، وأناخ عبد الله بن مالك على ذي الكلاع ووجه داود بن عيسى بن موسى سائحًا في أرض الروم في سبعين ألفًا، وافتتح شراحيل بن معن بن زائدة حصن الصقالبة ودبسة، وافتتح يزيد بن مخلد الصفصاف وملقوبية - وكان فتح الرشيد هرقلة في شوال - وأخربها وسبى أهلها بعد مقام ثلاثين يومًا عليها، وولى حميد بن معيوف سواحل بحر الشأم إلى مصر، فبلغ حميد قبرس، فهدم وحرق وسبى من أهلها ستة عشر ألفًا، فأقدمهم الرافقة، فتولى بيعهم أبو البختري القاضي، فبلغ أسقف قبرس ألفي دينار.
وكان شخوص هارون إلى بلاد الروم لعشر بقين من رجب؛ واتخذ قلنسوة مكتوبًا عليها " غاز حاج "، فكان يلبسها، فقال أبو المعالي الكلابي:
فمن يطلب لقاءه أو يرده ** فبالحرمين أو أقصى الثغور
ففي أرض العدو على طمر ** وفي أرض الترفه فوق كور
وما حاز الثغور سواك خلق ** من المتخلفين على الأمور
ثم صار الرشيد إلى الطوانة، فعسكر بها، ثم رحل عنها، وخلف عليها عقبة بن جعفر، وأمره ببناء منزل هنالك، وبعث نقفور إلى الرشيد بالخراج والجزية، عن رأسه وولي عهده وبطارقته وسائر أهل بلده خمسين ألف دينار؛ منها عن رأسه أربعة دنانير؛ وعن رأس ابنه استبراق دينارين. وكتب نقفور مع بطريقين من عظماء بطارقته في جاريه من سبي هرقلة كتابًا نسخته: لعبد الله هارون أمير المؤمنين من نقفور ملك الروم. سلام عليكم، أما بعد أيها الملك، فإن لي إليك حاجة لا تضرك في دينك ولا دنياك، هينة يسيرة؛ أن تهب لابني جارية من بنات أهل هرقلة، كنت قد خطبتها على ابني، فإن رأيت أن تسعفي بحاجتي فعلت. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
واستهداه أيضًا طيبًا وسرادقًا من سرلدقته فأمر الرشيد بطلب الجارية، فأحضرت وزينت وأجلست على سرير في مضربه الذي كان نازلًا فيه، وسلمت الجاريه والمضرب بما فيه من الآنية والمتاع إلى رسول نقفور، وبعث إليه بما سأل من العطر، وبعث إليه من التمور والأ خبصة والزبيب والترياق، فسلم ذلك كله إليه رسول الرشيد، فأعطاه نقفور وقر دارهم إسلامية على برذون كميت كان مبلغهخمسين ألف درهم، ومائة ثوب ديباج ومائتي ثوب بزيون، واثنى عشر بازيًا، وأربعة أكلب من كلاب الصيد، وثلاثة براذين. وكان نفور اشترط ألا يخرب ذا الكلاع ولا صمله ولا حصن سنان، واشترط عليه ألا يعمر هرقلة، وعلى أن يحمل نقفور ثلثمائة ألف دينار. وخرج في هذه السنة خارجي من عبد القيس يقال له سيف بن بكر، فوجه إليه الرشيد محمد بن يزيد بن مز، فقتله بعين النورة. ونقض أهل قبس العهد، فغزاهم معيوف بن يحيى فسبى أهلها.
وحج بالناس فيها عيسى بن موسى الهادي.
ثم دخلت سنة إحدى وتسعين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من خروج خارجي يقال له ثروان بن سيف بناحية حولايا؛ فكان يتنقل بالسواد، فوجه إليه طوق بن مالك فهزمه طوق وجرحه، وقتل عامة أصحابه، وظن طوق أنه قد قتل ثروان، فكتب بالفتح، وهرب ثروان مجروحًا. وفيها خرج أبو النداء بالشام فوجه الرشيد في طلبه يحيى بن معاذ، وعقد له على الشام.
وفيها وقع الثلج بمدينة السلام.
وفيها ظفر حماد البربري بهيصم اليماني.
وفيها غلظ أمر رافع بن ليث بسمرقند.
وفيها كتب أهل نسف إلى رافع يعطونه الطاعة، ويسألونه أن يوجه إليهم من يعينهم على قتل عيسى بن علي، فوجه صاحب الشاش في إتراكه قائدًا من قواده، فأتوا عيسى بن علي، فأحدقوا به وقتلوه في ذي القعدة، ولم يعرضوا لأصحابه.
وفيها ولى الرشيد حمويه الخادم بريد خراسان.
وفيها غزا يزيد ن مخلد الهبيري أرض الروم في عشرة آلاف، فأخذت الروم عليه المضيق، فقتلوه على مرحلتين من طرطوس في خمسين رجلا، وسلم الباقون.
وفيها ولى الرشيد غزو الصائفة هرثمة بن أعين، وضم إليه ثلاثين ألفًا من جند خراسان، ومعه مسرور الخادم؛ إليه النفقات وجميع الأمور، خلا الرياسة. ومضى الرشيد إلى درب الحدث، فرتب هنالك عبد الله بن مالك، ورتب سعيد بن سلم بن قتيبة بمرعش، فأغارت الروم عليها، وأصابوا من المسلمين وانصرفوا وسعيد بن سلم مقيم بها، وبعث محمد بن يزيد بن مزيد إلى طرطوس، فأقام الرشيد بدرب الحدث ثلاثة أيام من شهر رمضان، ثم انصرف إلى الرقة.
وفيها أمر الرشيد بهدم الكنائس بالثغور، وكتب إلى السندي بن شاهك يأمره بأخذ أهل الذمة بمدينة السلام بمخالفة هيئتهم هيئة المسلمين في لباسهم وركوبهم.
وفيها عزل الرشيد علي بن عيسى بن ماهان عن خراسان وولاها هرثمة.
ذكر الخبر عن سبب عزل الرشيد علي بن عيسى وسخطه عليه
قال أبو جعفر: قد ذكر قبل سبب هلاك ابن علي بن عيسى وكيف قتل. ولما ابنه عيسى خرج علي عن بلخ حتى أتى مرو مخافة أن يسير إليها رافع بن الليث، فيستولي عليها. وكان ابنه عيسى دفن في بستان داره ببلخ أموالًا عظيمة - قيل إنها كانت ثلاثين ألف ألف - ولم يعلم بها علي بن عيسى ولا اطلع على ذلك إلا جارية كانت له، فلما شخص علي عن بلخ أطلعت الجارية على ذلك بعض الخدم، وتحدث به الناس، فاجتمع قراء أهل بلخ ووجوهها، فدخلوا البستان فانتهبوه وأباحوه للعامة، فبلغ الرشيد الخبر، فقال: خرج علي عن بلخ عن غير أمري، وخلف مثل هذا المال؛ وهو يزعم أنه قد أفضى إلى حلي نسائه فيما أنفق على محاربة رافع! فعزله عند ذلك، وولى هرثمة بن أعين، واستصفى أموال علي بن عيسى، فبلغت أمواله ثمانين ألف ألف.
وذكر عن بعض الموالي أنه قال: كنا بجرجان مع الرشيد وهو يريد خراسان، فوردت خزائن علي بن عيسى التي أخذت له على ألف وخمسمائة بعير، وكان علي مع ذلك قد أذل الأعالي من أهل خراسان وأشرافهم.










وذكر أنه دخل عليه يومًا هشام بن فرخسرو والحسين بن مصعب، فسلما عليه، فقال للحسين: لا سلم الله عليك يا ملحد يا بن الملحد! والله إني لأعرف ما أنت عليه من عداوتك للإسلام وطعنك في الدين، وما أنتظر بقتلك إلا إذن الخليفة فيه، فقد أباح الله دمك، وأرجو أن يسفكه الله على يدي عن قريب، ويعجلك إلى عذابه. ألست المرجف بي في منزلي هذا بعد ما ثملت من الخمر، وزعمت أنه جاءتك كتب من مدينة السلام بعزلي! اخرج إلى سخط الله، لعنك الله، فعن قريب ما تكون من أهلها! فقال له الحسين: أعيذ بالله الأمير أن يقبل قول واشٍ، أو سعاية باغٍ، فإني بريء مما قرفت به. قال: كذبت لا أم لك! قد صح عندي أنك ثملت من الخمر، وقلت ما وجب عليك به أغلظ الأدب؛ ولعل الله أن يعاجلك ببأسه ونقمته؛ اخرج عني غير مستور ولا مصاحب. فجاء الحاجب فأخذ بيده فأخرجه، وقال لهشام بن فرخسرو: صارت دارك دار الندوة؛ يجتمع فيها إليك السفهاء، وتطعن على الولاة! سفك الله دمي إن لم أسفك دمك! فقال هشام: جعلت فداء الأمير! أنا والله مظلوم مرحوم؛ والله ما أدع في تقريظ الأمير جهدًا، وفي وصفه قولًا إلا خصصته به وقلته فيه؛ فإن كنت إذا قلت خيرًا نقل إليك شرًا فما حيلتي! قال: كذبت لا أم لك؛ لأنا أعلم بما تنطوي عليه جوانحك من ولدك وأهلك، فاخرج فعن قريب أريح منك نفسي. فلما كان في آخر الليل دعا ابنته عالية - وكانت من أكبر ولده - فقال لها: أي بنية، إني أريد أن أفضي إليك بأمر إن أنت أظهرته قتلت؛ وإن حفظته سلمت، فاختاري بقاء أبيك على موته، قالت: وما ذاك جعلت فداك! قال: إني أخاف هذا الفاجر علي بن عيسى على دمي، وقد عزمت على أن أظهر أن الفالج أصابني، فإذا كان في السحر فاجمعي جواريك، وتعالي إلى فراشي وحركيني؛ فإذا رأيت حركتي قد ثقلت، فصيحي أنت وجواريك، وابعثي إلى إخوتك فأعلميهم علتي. وإياك ثم إياك أن تطلعي على صحة بدني أحدًا من خلق الله من قريب أو بعيد. ففعلت - وكانت عاقلة حازمة - فأقام مطروحًا على فراشه حينًا لا يتحرك إلا إن حرك، فيقال إنه لم يعلم من أهل خراسان أحد من عزل علي بن عيسى بخبر ولا أثر غير هشام؛ فإنه توهم عزله، فصح توهمه.
ويقال: إنه خرج في اليوم الذي قدم فيه هرثمة لتلقيه. فرآه في الطريق رجل من قواد علي بن عيسى، فقال: صح الجسم؟ فقال: ما زال صحيحًا بحمد الله! وقال بعضهم: بل رآه علي بن عيسى، فقال: أين بك؟ فقال: أتلقى أميرنا أبا حاتم، قال: ألم تكن عليلًا؟ قال: بلى؛ فوهب الله العافية؛ وعزل الله الطاغية في ليلة واحدة.
وأما الحسين بن مصعب فإنه خرج إلى مكة مستجيرًا بالرشيد من علي بن عيسى، فأجاره.
ولما عزم الرشيد على عزل علي بن عيسى دعا - فيما بلغني - هرثمة بن أعين مستخليًا به فقال: إني لم أشاور فيك أحدًا، ولم أطلعه على سري فيك، وقد اضطرب علي ثغور المشرق، وأنكر أهل خراسان أمر علي بن عيسى؛ إذ خالف عهدي ونبذه وراء ظهره؛ وقد كتب يستمد ويستجيش، وأنا كاتب إليه، فأخبره أني أمده بك، وأوجه إليه معك من الأموال والسلاح والقوة والعدة ما يطمئن إليه قلبه، وتتطلع إليه نفسه، وأكتب معك كتابًا بخطي فلا تفضنه، ولا تطلعن فيه حتى تصل إلى مدينة نيسابور؛ فإذا نزلتها فاعمل بما فيه، وامتثله ولا تجاوزه، إن شاء الله، وأنا موجه معك رجاء الخادم بكتاب أكتبه إلى علي بن عيسى بخطي؛ ليتعرف ما يكون منك ومنه؛ وهون عليه أمر علي فلا تظهرنه عليه، ولا تعلمنه ما عزمت عليه، وتأهب للمسير، وأظهر لخاصتك وعامتك أني أوجهك مددًا لعلي بن عيسى وعونًا له. قال: ثم كتب إلى علي بن عيسى بن ماهان كتابًا بخطه نسخته:
" بسم الله الرحمن الرحيم ". يا بن الزانية، رفعت من قدرك، ونوهت باسمك، وأوطأت سادة العرب عقبك، وجعلت أبناء ملوك العجم خولك وأتباعك؛ فكان جزائي أن خالفت عهدي، ونبذت وراء ظهرك أمري؛ حتى عثت في الأرض، وظلمت الرعية، وأسخطت الله وخليفته؛ بسوء سيرتك، ورداءة طعمتك، وظاهر خيانتك، وقد وليت هرثمة بن أعين مولاي ثغر خراسان، وأمرته أن يشد وطأته عليك وعلى ولدك وكتابك وعمالك، ولا يترك وراء ظهوركم درهمًا، ولا حقًا لمسلم ولا معاهد إلا أخذكم به؛ حتى ترده إلى أهله؛ فإن أبيت ذلك وأباه ولدك وعمالك فله أن يبسط عليكم العذاب، ويصب عليكم السياط، ويحل بكم ما يحل بمن نكث وغير، وبدل وخالف، وظلم وتعدى وغشم، انتقامًا لله عز وجل بادئًا، ولخليفته ثانيًا، وللمسلمين والمعاهدين ثالثًا؛ فلا تعرض نفسك للتي لا شوى لها، واخرج مما يلزمك طائعًا أو مكرهًا.
وكتب عهد هرثمة بخطه: هذا ما عهد هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى هرثمة بن أعين حين ولاه ثغر خراسان وأعماله وخراجه؛ أمره بتقوى الله وطاعته ورعاية أمر الله ومراقبته، وأن يجعل كتاب الله إمامًا في جميع ما هو بسبيله، فيحل حلاله ويحرم حرامه، ويقف عند متشابهه؛ ويسأل عنه أولي الفقه في دين الله وأولي العلم بكتاب الله، أو يرده إلى إمامه ليريه الله عز وجل فيه رأيه، ويعزم له على رشده، وأمره أن يستوثق من الفاسق علي بن عيسى وولده وعماله وكتابه، وأن يشد عليهم وطأته، ويحل بهم سطوته، ويستخرج منهم كل مال يصح عليهم من خراج أمير المؤمنين وفيء المسلمين؛ فإذا استنظف ما عندهم وقبلهم من ذلك، نظر في حقوق المسلمين والمعاهدين، وأخذهم بحق كل ذي حق حتى يردوه إليهم؛ فإن ثبتت قبلهم حقوق لأمير المؤمنين وحقوق للمسلمين؛ فدافعوا بها وجحدوها، أن يصب عليهم سوط عذاب الله وأليم نقمته؛ حتى يبلغ بهم الحال التي إن تخطاها بأدنى أدب، تلفت أنفسهم، وبطلت أرواحهم؛ فإذا خرجوا من حق كل ذي حق، أشخصهم كما تشخص العصاة من خشونة الوطاء وخشونة المطعم والمشرب وغلظ الملبس، مع الثقات من أصحابه إلى باب أمير المؤمنين، إن شاء الله. فاعمل يا أبا حاتم بما عهدت إليك، فإني آثرت الله وديني على هواي وإرادتي، فكذلك فليكن عملك، وعليه فليكن أمرك، ودبر في عمال الكور الذين تمر بهم في صعودك ما لا يستوحشون معه إلى أمرٍ يريبهم وظن يرعبهم. وابسط من آمال أهل ذلك الثغر ومن أمانهم وعذرهم، ثم اعمل بما يرضي الله منك وخليفته، ومن ولاك الله أمره إن شاء الله. هذا عهدي وكتابي بخطي، وأنا أشهد الله وملائكته وحملة عرشه وسكان سمواته وكفى بالله شهيدًا.
وكتب أمير المؤمنين بخط يده لم يحضره إلا الله وملائكته.
ثم أمر أن يكتب كتاب هرثمة إلى علي بن عيسى في معاونته وتقوية أمره والشد على يده؛ فكتب وظهر الأمر بها؛ وكانت كتب حمويه وردت على هارون: إن رافعًا لم يخلع ولا نزع السواد ولا من شايعه، وإنما غايتهم علي بن عيسى الذي قد سامهم المكروه.
خبر شخوص هرثمة بن أعين إلى خراسان واليا عليها
ومن ذلك ما كان من شخوص هرثمة بن أعين إلى خراسان واليًا عليها.
ذكر الخبر عما كان من أمره في شخوصه إليها وأمر علي بن عيسى وولده
ذكر أن هرثمة مضى في اليوم السادس من اليوم الذي كتب له عهده الرشيد وشيعه الرشيد، وأوصاه بما يحتاج إليه، فلم يعرج هرثمة على شيء، ووجه إلى علي بن عيسى في الظاهر أموالًا وسلاحًا، وخلعًا وطيبًا؛ حتى إذا نزل نيسابور جمع جماعة من ثقات أصحابه وأولى الين والتجربة منهم؛ فدعا كل رجل منهم سرًا، وخلا به، ثم أخذ عليهم العهود والمواثيق أن يكتموا أمره، ويطووا سره، وولى كل رجل منهم كورة، على نحو ما كانت حاله عنده؛ فولى جرجان ونيسابور والطبسين ونسا وسرخس، وأمر كل واحد منهم، بعد أن دفع إليه عهده بالمسير إلى عمله الذي ولاه على أخفى الحالات وأسترها، والتشبه بالمجتازين في ورودهم الكور ومقامهمإلى الوقت الذي سماه لهم، وولى إسماعيل بن حفص بن مصعب جرجان بأمر الرشيد، ثم مضى حتى إذا صار من مرو على مرحلة، دعا جماعة من ثقات أصحابه، وكتب لهم أسماء ولد علي بن عيسى وأهل بيته وكتابه وغيرهم في رقاع، ودفع إلى كل رجل منهم رقعة باسم من وكله بحفظه إذا هو دخل مرو، خوفًا من أن يهربوا إذا أظهر أمره. ثم وجه إلى علي بن عيسى:
إن أحب الأمير أكرمه الله أن يوجه ثقاته لقبض ما معي من أموال فعل؛ فإنه إذا تقدم المال أمامي كان أقوى للأمير، وأفت في عضد أعدائه. وأيضًا فإني لا آمن عليه إن خلفته وراء ظهري؛ أن يطمع فيه بعض من تسمو إليه نفسه إلى أن يقتطع بعضه، ويفترض غفلتنا عند دخول المدينة. فوجه علي بن عيسى جهابذته وقهارمته لقبض المال، وقال هرثمة لخزانه: اشغلوهم هذه الليلة، واعتلوا عليهم في حمل المال بعلة تقرب من أطماعهم، وتزيل الشك عن قلوبهم، ففعلوا. وقال لهم الخزان: حتى تؤامروا أبا حاتم في دواب المال والبغال. ثم ارتحل نحو مدينة مرو، فلما صار منها على ميلين تلقاه علي بن عيسى في ولده وأهل بيته وقواده بأحسن لقاء وآنسه؛ فلما وقعت عين هرثمة عليه، ثنى رجله لينزل عن دابته فصاح به علي: والله لئن نزلت لأنزلن، فثبت على سرجه، ودنا كل منهما من صاحبه فاعتنقا، وسارا، وعلي يسأل هرثمة عن أمر الرشيد وحاله وهيئته وحال خاصته وقواده وأنصار دولته؛ وهرثمة يجيبه؛ حتى صار إلى قنطرة لا يجوزها إلا فارس، فحبس هرثمة لجام دابته، وقال لعلي: سر على بركة الله، فقال علي: لا والله لا أفعل حتى تمضي أنت، فقال: إذًا والله لا أمضي، فأنت الأمير وأنا الوزير؛ فمضى وتبعه هرثمة حتى دخلا مرو، وصارا إلى منزل علي، ورجاء الخادم لا يفارق هرثمة في ليل ولا نهار، ولا ركوب ولا جلوس؛ فدعا علي بالغداء فطعما، وأكل معهما رجاء الخادم، وكان عازمًا على ألا يأكل معهما، فغمزه هرثمة وقال: كل فأنت جائع، ولا رأي لجائع ولا حاقن؛ فلما رفع الطعام قال له علي: قد أمرت أن يفرغ لك قصر على الماشان؛ فإن رأيت أن تصير إليه فعلت. فقال له هرثمة: إن معي من الأمور ما لا يتحمل تأخير المناظرة فيها؛ ثم دفع رجاء الخادم كتاب الرشيد إلى علي، وأبلغه رسالته. فلما فض الكتاب فنظر إلى أول حرف منه سقط في يده، وعلم أن حل به ما يخافه ويتوقعه، ثم أمر هرثمة بتقيه وتقييد ولده وكتابه وعماله وكان رحل ومعه وقر من قيود وأغلال - فلما استوسق منه صار إلى المسجد الجامع، فخطب وبسط من آمال الناس، وأخبر المؤمنين ولاه ثغورهم لما انتهى إليه من سوء سيرة الفاسق علي بن عيسى، وما أمره به وفي عماله وأعوانهن وأنه بالغ من ذلك ومن إنصاف العامة والخاصة، والأخذ لهم بحقوقهم أقصى مواضع الحق. وأمر بقراءة عهده عليهم. فأظهروا السرور بذلك، وانفسحت آمالهم، وعظم رجاؤهم، وعلت بالتكبير والتهليل أصواتهم، وكثر الدعلء لأمير المؤمنين بالبقاء وحسن الجزاء.
ثم انصرف، فدعا لعلي بن عيسى وولده وعماله وكتابه، فقال: اكفوني مئونتكم، واعفوني من الإقدام بالمكروه عليكم. ونادى في أصحاب ودائعهم ببراءة الذمة من رجل كانت لعلي عنده وديعة أو لأحد من ولده أو كتابه أو أعماله وأخفاها ولم يظهر عليها؛ فأحضره الناس ما كانوا أودعوا إلا رجلًا من أهل مرو - وكان من أبناء المجوس - فإنه لم يزل يتلطف للوصول إلى علي بن عيسى حتى صار إليه، فقال له سرًا: لك عندي مال، فإن احتجت إليه حملته إليك أولًا فأولًا، وصبرت للقتل فيك؛ إيثارًا للوفاء وطلبًا لجميل الثناء، وإن استغنيت عنه حبسته عليك حتى ترى فيه رأيك. فعجب علي منه، وقال: لو اصطنعت مثلك ألف رجل ما طمع في في السلطان ولا الشيطان أبدًا. ثم سأله عن قيمة ما عنده، فذكر له أنه أودعه مالًا وثيابًا ومسكًا، وأنه لا يدري ما قدر ذلك؛ غير أنه أودعه بخطه، وأنه محفوظ لم يشذ منه شيء، فقال له: دعه فإن ظهر عليه سلمته ونجوت بنفسك، وإن سلمت به رأيت فيه رأيي. وجزاه الخير، وشكر له فعله ذلك أحسن شكر، وكافأه عليه وبره. وكان يضرب به المثل بوفائه؛ فذكر أنه لم يتستر عن هرثمة من مال علي إلا ما كان أودعه هذا الرجل - وكان يقال له: العلاء بن ماهان - فاستنظف هرثمة ما وراء ظهورهم حتى حلي نسائهم؛ فكان الرجل يدخل إلى المنزل فيأخذ جميع ما فيه؛ حتى إذا لم يبق فيه إلا صوف أو خشب أو ما لا قيمة له قال للمرأة: هاتي ما عليك من الحلي، فتقول للرجل إذا دنا منها لينزع ما عليها:
يا هذا، إن كنت محسنًا فاصرف بصرك عني، فوالله لا تركت شيئًا من بغيتك علي إلا دفعته إليك؛ فإن كان الرجل يتحوب من الدنو إليها أجابها إلى ذلك حتى ربما نبذت إليه بالخاتم والخلخال وما قيمته عشرة دراهم، ومن كان بخلاف هذه الصفة، قال: لا أرضى حتى أفتشك؛ لا تكونين قد خبأت ذهبًا أو درًا أو ياقوتًا؛ فيضرب يده إلى مغابنها وأرفاغها؛ فيطلب فيها ما يظن أنها قد سترته عنه؛ حتى إذا ظن أنه قد أحكم هذا كله وجهه على بعير بلا وطاء تحته، وفي عنقه سلسلة، وفي رجله قيود ثقال ما يقدر معها على نهوض واعتماد.
فذكر عمن شهد أمر هرثمة وأمره؛ أن هرثمة لما فرغ من مطالبة علي بن عيسى وولده وكتابه وعماله بأموال أمير المؤمنين، أقامهم لمظالم الناس، فكان إذا برد للرجل عليه أو على أحد من أصحابه حق، قال: اخرج للرجل من حقه، وإلا بسطت عليك، فيقول علي: أصلح الله الأمير! أجلني يومًا أو يومين، فيقول: ذلك إلى صاحب الحق، فإن شاء فعل. ثم يقبل على الرجل، فيقول: أترى أن تدعه؟ فإن قال نعم، قال: فانصرف وعد إليه، فيبعث علي إلى العلاء بن ماهان، فيقول له: صالح فلانًا عني من كذا وكذا على كذا وكذا، أو على ما رأيت، فيصالحه ويصلح أمره.
وذكر أنه قام إلى هرثمة رجل، فقال له: أصلح الله الأمير! إن هذا الفاجر أخذ مني درقة ثمينة لم يملك أحد مثلها، فاشتراها على كره مني ولم أرد بيعها بثلاثة آلاف درهم؛ فأتيت قهرمانة أطلب ثمنها، فلم يعطني شيئًا، فأقمت حولًا أنتظر ركوب هذا الفاجر؛ فلما ركب عرضت له وصحت به: أيها الأمير، أنا صاحب الدرقة، ولم آخذ لها ثمنًا إلى هذه الغاية، فقذف أمي ولم يعطني حقي، فخذ لي بحقي من مالي وقذفه أمي، فقال: لك بينة؟ قال: نعم، جماعة حضروا كلامه؛ فأحضرهم فأشهدهم على دعواه، فقال هرثمة: وجب عليك الحد، قال: ولم؟ قال: لقذفك أم هذا، قال: من فقهك وعلمك هذا؟ قال: هذا دين المسلمين، قال: فأشهد أن أمير المؤمنين قد قذفك غير مرة ولا مرتين؛ وأشهد أنك قد قذفت بنيك ما لا أحصي، مرة حاتمًا ومرة أعين؛ فمن يأخذ لهؤلاء بحدودهم منك؟ ومن يأخذ لك من مولاك! فالتفت هرثمة إلى صاحب الدرقة، فقال: أرى لك أن تطالب هذا الشيطان بدرقتك أو ثمنها، وتترك ومطالبته بقذفه أمك.
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
مواقع النشر (المفضلة)