صفحة 95 من 120 الأولىالأولى ... 45859394959697105 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 377 إلى 380 من 477

الموضوع: رغـد : أنـت لــي (كتـير حلـوة)

العرض المتطور


  1. #1

    ۞لَا إلَه إلا الله مُحَمَّد رَسُوْل الله ۞

     

    الحالة : دمعة فرح غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Jul 2010
    رقم العضوية: 1921
    الدولة: ملتقى المغتربيين السوريين
    الإهتمامات: الانمي
    العمر: 34
    المشاركات: 11,160
    الحالة الإجتماعية: مخطوبــة
    معدل تقييم المستوى : 1405
    Array




    رفض كل من أخي ورغد إطلاعي على موضوع الحوار الذي دار بينهما... لكني لم أسكت على الدموع التي رأيت آثارها في وجه رغد ليلتها...
    "حسنا... أنا لن أطلب منك إخباري بتفاصيل الموضوع وسأنسى أنني من جلبها وأعادها في قلب الليل وأن الحديث دار في شقتي أنا... لكنني لن أتغلضى عن جرحك لها وجعلها تبكي يا وليد".
    نفثت كلامي بانفعال أمام أخي, الجالس بصمت يشرب الماء البارد... ويبتلع قطع الجليد الصغيرة السابحة في الكأس.
    تجاهل أخي كلامي فغضبت وقلت:
    "أكلمك يا وليد ألا تسمع؟"
    نظر أخي إلي من خلال زجاج الكأس الشفاف الذي يحمله في يده وأجاب:
    "اسمع".
    فقلت:
    "إذن أخبرني.. لماذا جعلتها تبكي؟ لماذا تعاملها بخشونة؟"
    أجاب أخي:
    "ليس من شأنك يا سامر وأرجوك... أنا متعب كفاية... دعني أسترخي".
    فقلت مستنكرا:
    "ليس شأني؟؟ كيف تقول هذا؟ إنها ليست ابنة عمك وحدك..."
    وكأن الجملة أثارت أخي فقال بحدة:
    "الأمر لا يعنيك يا سامر فرجاء لا تتدخل".
    فقلت غاضبا:
    "بل يعنيني... أنا لا أتحمل رؤية رغد تبكي أو تتألم... ولا أسمح لك بأن تسبب لها هذا".
    وقف أخي فجأة... وألقى بالكأس بعنف نحو الأرض فتكسر...
    ثم صرخ غاضبا:
    "أما زلت تفكر بها؟؟...سامر ... أيها الأحمق... إنها لا تكترث بك".
    جفلت ولم أستطع التعقيب.
    اقترب أخي مني حتى صار أمام وجهي مباشرة وإذا به يسألني:
    "ألا زلت تحبها؟؟"
    ففارت الدماء في وجهي... لم أكن أتوقع منه هذا السؤال وهكذا مباشرة... أخي أمسك بذراعي بقوة وقال:
    "لقد رأيت ما تخفيه في خزانتك... يا لك من بائس... تخلص منها تماما... إنها لا تفكر بك.. ولن تعود إليك... لا تتعب نفسك... انسها نهائيا".
    وطعن كلام أخي على جرح قلبي مباشرة... فأبعدت يده عني فعاد وأمسك بي وأعاقني عن الحركة وقال:
    "أخرجها من رأسك نهائيا يا سامر... ولا تدافع عنها فهي خائنة وتستحق العقاب".
    عند هذا لم أتمالك نفسي ودفعت بأخي بقوة حتى ارتطم بالجدلر.
    وأوليته ظهري قاصدا الخروج من المكان غير أنه أمسك بي فجأة وجذبني في اتجاهه ولوى ذراعي...
    وهو يقول:
    "أجب على سؤالي أولا".
    حاولت الفكاك منه ولكنه كان يطبق علي ويعيق حركتي كلما أردت التملص.
    هتفت:
    "اتركني وليد".
    رفست بطنه بركبتي حتى أبعده عني. وبصراحة رفستي لم تكن قوية... لكن أخي أطلق صرخة ألم واندفع مبتعدا عني... وأمسك ببطنه وراح يتلوى. ثم إذا به يجثو على الأرض بالضبط فوق شظايا الكأس المكسور دون أن ينتبه لها... ويحني رأسه إلى الأرض ويتقيأ الماء الذي شربه قبل قليل... ممزوجا بالدم...
    هلعت لمنظر أخي... وأقبلت إليه قلقا ومددت يدي نحوه, غير أنه أبعدها بفظاظة وأخذ يتلوى... وأخيرا نهض وسار نحو الباب.
    "إلى أين؟؟"
    فالوقت كان قد تجاوز الواحدة ليلا... ويفترض به المبيت عندي... ووضعه لا يسمح بالمغادرة...
    تبعته وحاولت استيقافه إلا أنه صدني وغادر الشقة...
    وقبل غروب الشمس التالية اتصل بي وأخبرني بأنه في طريقه إلى المطار...
    مسافرا إلى الجنوب.
    سافر أخي إلى المدينة الساحلية... وغاب عنا بضعة أسابيع...
    جاء سفره مفاجئا ودون سابق تخطيط وتهيئة... وتوقعت أن أواجه موقفا صعبا مع رغد لدى إبلاغها عن هذا... فكتمت النبأ عمدا في البداية...
    وفي الآونة الأخيرة لاحظت أن رغد لحد ما قد هدأت... أعني أنها لم تعد تثور وتغضب بسرعة... بل بدت مستسلمة لما نقوله لها بدون جدال... صحيح أن حالتها هذه لم ترضني لكنها على الأقل أفضل من التهيج الشديد الذي سبقها, وكذلك أبدت تجاوبا جيدا مع برنامج العلاج في المستشفى وحضرت المواعيد التالية بلا اعتراض...
    والأهم...أنها توقفت عن الاتصال بهاتف وليد وعن السؤال عنه... اعتقدت أن مادرا بينهما تلك الليلة قد أراحها بشكل ما... وأن اعتقادها أن وليد في الجوار هدأ نفسيتها...
    وخشيت إن أنا كشفت لها حقيقة سفره الآن أن تتقلب بها الأحوال, فواصلت كتم النبأ إلى أن حل هذا اليوم... والذي قرر فيه الطبيب أخيرا نزع جبيرة يدها...
    بعد أن نزعت الجبيرة... وحركت رغد يدها... رأيت ابتسامة تشع على وجهها ولأول مرة مذ قدمت إلى المدينة الصناعية.. وبمجرد أن غادرنا عيادة الطبيب قالت لي:
    "سأتصل بوليد وأخبره بأنني أستطيع تحريك يدي كالسابق, لا بد وأنه سيفرح للخبر!"
    واستخرجت هاتفها واتصلت به ولم يرد, فحمدت الله في داخلي... لكنها سرعان ما فكرت بالاتصال بالمزرعة والسؤال عنه... حينها لم أجد مناصا من إطلاعها على الحقيقة...
    ساعتها تجهم وجه رغد واختفت تماما آثار الابتسامة التي عبرت على وجهها قبل قليل... أحسست بالندم على تسببي بقتل بهجتها القصيرة... ولكي أشجعها ادعيت أن وليد قد أعرب لي عن عزمه اصطحابنا معه في المرة المقبلة... ولم يكن هناك جدوى من ادعائي.
    ومضت الأيام والأسابيع وهي على حالها من الكآبة وفقدان الاهتمام بأي شيء.. حتى أنها نحلت أكثر مما هي نحيلة وانطوت على نفسها أكثر مما هي منطوية وما عدت أطيق رؤيتها بهذه الحال...
    الشيء الوحيد على الأقل.. الذي صرفت إليه بعض الاهتمام... كان الرسم, ولكي أشجعها على الانشغال به وطرح الأحزان جانبا جلبت لها عدة الرسم كاملة, ووعدتها كذلك بشراء حاسوب محمول مع ملحقاته وكتبه... عما قريب...
    أما وليد فكما فاجأني بسفره فاجأني بعودته ذلك اليوم...
    صدمت للوهلة الأولى عندما دخلت شقتي ورأيته جالسا يشاهد التلفاز... وقد كان وجهه شاحبا هزيلا ملتحيا, وقد خسر جسمه عدة أرطال.
    ولا لم يبد أنه قد حلق شعره أو ذقنه منذ لقائي الأخير به قبل أربع أسابيع...
    وقف ليحييني ويصافحني, فحييته وسألته:
    "ماذا حل بجسدك؟؟!"
    فابتسم ورد:
    "القرحة حرمتنا من الطعام..."
    فسألت:
    "هل تراجع طبيبا؟"
    فأجاب:
    "لا وقت لذلك, العمل مضغوطا جدا وبالكاد نتنفس".
    وتبادلنا حديثا قصيرا عرفت فيه أنه عائد من أجل شؤون عمل تتطلب توقيع زوجته شخصيا على بعض الوثائق الهامة...
    "ولكن.. ألست موكلا للتصرف بكل شيء... توكيلا شاملا ورسميا".
    فأجاب:
    "بلى, لكن هناك بعض الاستثناءات الضرورية".
    أطرقت برأسي برهة, وراودني سؤال طارىء لم يسبق لي أن طرحته على أخي:
    "متى ستتزوجان؟"
    ألقى علي أخي نظرة لا مبالاة, ثم أدار وجهه بعيدا عني... واستخرج من أحد جيوبه قرصا دوائيا ووضعه في فمه. ثم جذب نفسا عميقا ثم قال:
    "إنني أريد على الأقل.. أن تسير أمور المصنع كما يجب. أروى لا تفكر في حجم الخسائر التي ستلم بثروتها إن هي بقيت عالقة في الشمال وأملاكها مزروعة في الجنوب.
    لولا السيد أسامة المنذر بعد الله لفاتها الكثير.. ليس جميع موظفي المصنع والشركة بأمانة المنذر... يجب أن يبقي صاحب الأملاك عينه مفتوحة على ثرواته... يجب أن تعود إلى الجنوب".
    فهمت حرص أخي على أموال زوجته, وتفانيه في العمل لأجلها, وقلت:
    "البركة فيك يا أخي".
    فنظر إلي وأوشك أن يقول شيئا لكنه تراجع والتزم بالصمت.
    ثم عاد وقال:
    "أنا لا أريد العيش وحيدا هناك... أريد عائلتي من حولي... المنزل كبير وكئيب..."
    فانتهزت الفرصة وسألت:
    "ماذا عن عودتنا أنا ورغد؟"
    وكأن السؤال أوجعه أو صب خل الليمون الحامض على معدته فإذا بي أرى وجهه يتألم ويده ترتفع إلى موضع معدته وفمه يطلق آهة مريرة...
    قلت قلقا:
    "أأنت بخير؟"
    وما كان من وليد إلا أن وقف واستدار باتجاه الباب... قال أخيرا وهو ينصرف:
    "ليس بعد... دعهم ينزعون جبيرة رجلها أولا... أراك لاحقا".
    عندما وصل إلى الباب توقف واستدار إلي وقال:
    "لا تخبرها عن حضوري".

    *****************************
رد مع اقتباس رد مع اقتباس  


  • #2

    ۞لَا إلَه إلا الله مُحَمَّد رَسُوْل الله ۞

     

    الحالة : دمعة فرح غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Jul 2010
    رقم العضوية: 1921
    الدولة: ملتقى المغتربيين السوريين
    الإهتمامات: الانمي
    العمر: 34
    المشاركات: 11,160
    الحالة الإجتماعية: مخطوبــة
    معدل تقييم المستوى : 1405
    Array

    تتمـــــــــــــــه

    ذات نهار... وفيما أنا حبيسة في غرفتي لا أفعل شيئا غير محاولة تذكر ملامح وجوه أحبابي البعيدين... ورسمها على الورق... أمي... أبي... دانة... ووليد... وليد قلبي الحبيب الغائب... طرق الباب...

    "رغد هل أنت مستيقضة؟"
    وكان صوت حسام. أجبته بنعم, فأخبرني بأن لديه ما يعطيني إياه...
    طبعا كنا أنا وهو نتحاشى الجلوس أو التحدث معا قدر الإمكان... بعد الذي حصل...
    أغلقت كراستي وقمت وارتديت حجابي وقتحت الباب فرأيته يحمل صندوقا ورقيا كبيرا وثقيلا على ما بدا...
    سأل:
    "أين أضعه؟؟"
    قلت مستغربة:
    "ما هذا؟"
    فأجاب مستغربا:
    "أليست أغراضك داخل الصندوق؟"
    سألت متعجبة:
    "أغراضي أنا؟"
    فقال:
    "بعث به ابن عمك..."
    وتذكرت الحاسوب المحمول الذي وعد سامر بشرائه لي بعد نزع جبيرة يدي...
    واستنتجت أن يكون هذا هو...
    قال حسام:
    "أين أضعه؟ فهو ثقيل ولن تستطيعي تحريكه".
    قلت وأنا أشير إلى الطاولة الصغيرة عند الزواية:
    "هناك من فضلك".
    وسرت خلفه وأنا أقول:
    "لا بد أنه الحاسوب المحمول..."
    وضع حسام الصندوق على مكتبه وهو يسأل:
    "حاسوب؟ عظيم!من أي شركة؟"
    وأخذ يطالع جوانب الصندوق بحثا عن أي معلوملت ولم نجد شيئا قلت:
    "افتح لنرى".
    وبادر حسام بفتح الصندوق, ودهشنا حين وجدنا محتواه مجموعة من الكتب والمجلات الكراسية... وأدوات الرسم...!
    استخرجت الكتب وإذا بها نسخا عن بعض كتبي الدراسية!!
    أخذت أقلبها متعجبة وقلت:
    "هذه... كتبي الدراسية!!"
    وعدت أتأمل المجموعة وأستخرجها واحدا بعد الآخر... وأسترجع ذكريات الدراسة... وأنا أقول:
    "أنا لم أطلب هذا من سامر! كيف عرف بأسمائها؟؟"
    وسمعت حسام يجيب:
    "وليد من بعث بها".
    التفت إليه غير مستوعبة:
    وليد!؟... وليد؟؟
    اسم عادي.. أسمعه عشرات المرات في اليوم.. بيني وبين نفسي.. أو بين وجهي وصورته في المرآة... أو بين قلمي وكراستي ورسماتي... أو حتى من لسان أي شخص من حولي... وليد... هو الاسم الذي يلفظه قلبي مع كل نبضة ويزفره صدري مع كل نفس.. اسم معتادة حواسي على استقباله كل حين... لكن العجب كل العجب... أن يقشعر جسدي فجأة.. حالما لفظ هذه المرة..
    فجأة... إذا بي أحس بطوفان هائل من الدماء يصعد إلى وجهي ويجتاح قسماته... ويوشك على تدمير ملامحه وطمس معالمه...
    تقول وليد؟؟!! وليد؟؟؟
    سألت... وأنا بين تصديق وتكذيب أذني... فهي لكثرة ما تاقت للسماع عنه أو منه, صارت تتوهمه صحوة أو غفوة:
    "وليد!!"
    حسام قال... وهو يتأمل التحولات التي طرأت على تعبيراتي:
    "نعم.."
    قلت متلعثمة... وأنا أشير إلى الصندوق:
    "تــــ... تعني... أن... إن هذا من عند... وليد؟؟"
    رد:
    "أجل..."
    وأعدت التحديق في محتويات الصندوق... واستخراجها وتلمسها... وكأنني أبحث عن بقايا بصمات وليد عليها...
    آه يا وليد... تبعث إلي بكتبي الدراسية وأدوات رسمي... لا زلت تهتم بي... نعم أنت كذلك... أنت كذلك...
    ولو لم يكن حسام إلى جانبي ساعتها لأكببت على الصندوق وما حوى مصافحة ومعانقة...
    التفت إلى حسام وسألته:
    "ولكن... كيف بعثها؟؟ بالبريد؟"
    فنظر حسام إلي نظرة هادفة ثم قال:
    "أحضرها بنفسه".
    عفوا؟؟
    ماذا تقول؟؟!
    حملقت في حسام مطالبة بأن يعيد الجواب... فأنا اليوم صماء ولا أسمع...
    "أحضرها... بماذا؟؟ بالــــــ... بالبريد؟؟"
    ونظرت إليه منتظرة أن يقول نعم, لأنني لن أصدق غير ذلك, لكنه قال:
    "بنفسه".
    ملأت الدهشة عيني ورددت:
    "بنفسه؟؟"
    فأومأ نعم... فسألت بسرعة:
    "ماذا تعني؟؟ وليد... وليد جاء... إلى هنا؟؟"
    فأومأ بنعم... شهقت ورفعت يدي إلى صدري تلقائيا... ربما لأهدىء من الاضطراب المفاجىء الذي اعتراه...
    "لكن... آه... كيف؟؟ وليد مسافر... إنه... إنه..."
    فقال حسام:
    "إنه من جلبها وقد استلمتها من يده مباشرة".
    هتفت وأنا مذهولة:
    "متى؟؟!!"
    أجاب:
    "الآن".
    قلت وعيناي ينفتحان أوسعهما:
    "الآن!!"
    قال وهو يرى انفعالي:
    "نعم. اتصل بوالدي قبل قليل وقال إنه سيمر لإيصال شيء لك".
    انتفض جسمي.. وقلت مرتبكة:
    "هل.. تعني.. أنه.. كان هنا؟؟ كان هنا؟؟"
    حسام نظر إلي نظرة حادة ثم أجاب:
    "تركته واقفا مع أبي في الفناء.. وأتيت أسلمك الصندوق".
    ارتج دماغي إثر ذلك.. ترنحت في وقفتي كما لو كنت أقف على كرة متدحرجة...
    وليد هنا؟؟ هنا؟؟
    حسام رأى التعبيرات القوية على وجهي.. ورآني وأنا أندفع فجأة مهرولة نحو الباب... وأسير بسرعة... بسرعة... بكل ما أوتيت على ضعفي من قوة... بسرعة... قبل أن يرحل وليد...
    سمعت حسام يلحق بي ويناديني.. لكنني تجاهلته وسرت عرجاء واطئة على رجلي المصابة ورافعة ثقلها مرة... ومستندة إلى عكازي مرة أخرى.. متجاهلة الألم الذي اشتعل في رجلي كصعقة الكهرباء... فقط لأدرك وليد قبل أن يرحل...
    وأخيرا وصلت إلى الباب الرئيسي للمنزل.. وما إن فتحته حتى رأيت عمي أبا حسام مقبلا نحوه...
    قلت بلهفة:
    "أين وليد؟؟"
    استدار للوراء ينظر إلى من كان يقف بجواره قبل قليل... نظرت إلى بوابة السور الخارجي فرأيت وليد يفتح البوابة الخارجية على وشك الخروج...
    هتفت بأعلى صوتي:
    "وليد..."
    خشيت أن يكون صوتي قد خرج هزيلا بالكاد لامس الهواء قرب فمي.. لكنه وصل إليه.. رأيته يتوقف ويستدير...
    خرجت عبر الباب وهبطت العتبات بسرعة متجاهلة ألم رجلي... وهرولت وأنا أعرج حافية.. أدوس على الرمل والحصى... وبقايا أوراق وأغصان الأشجار العالقة في الممر... قاطعة المسافة الطويلة بين البوابتين... حتى صرت قريبة منه... للحد الذي... لو تخطيته... لانصهرت من وهج حرارته...
    كان الوقت ظهرا.. والشمس حارة.. وقوية السطوع.. تعشي العين عن الرؤية.. وحاربتها حتى أرسل نظراتي إلى وليد...
    نعم... إنه وليد... بدمه وجسمه... بطوله وعرضه... بكيانه وهيئته... والهالة من اللهب الأحمر المتوهج... التي تحيط به...
    كان يضع نظارة شمسية تخفي عن شوقي أي نظرة انتظرت أن أصافحها في عينيه.. بعد فراق طويل قاس...
    وكان شعره طويلا بعض الشيء ومبعثر... لاعبه النسيم الصيفي الحار لحظة هبوبه...
    وليد بقي واقفا في مكانه.. لم يتحرك.. ولم يظهر أي حركة تشير إلى أنه يكترث لظهوري...
    وقفت أسترد أنفاسي التي نهبت مذ علمت بوجوده.. وأحاول خرق نظارت السوداء ورؤية ما تخفيه عدستاها خلفهما...
    لم أر شيئا..
    اقتربت منه أكثر.. صرت أمامه.. تفصلني عنه بضعة أمتار...
    وقفت صامتة لا أعرف ماذا أقول.. من أين أبدأ وأين أنتهي؟؟دعوني... فقط أتأمل وليد... وأملأ قلبي من الإحساس الجميل الذي ينتابني بقربه...
    ماذا حل به؟ لماذا لا أستطيع التحدث؟؟ هيا يا لساني انطلق.. أما اكتفيت حرمانا؟؟ أرجوك... قل شيئا...!
    "وليد.."
    نطقت باسمه وعيناي توشكان على التهامه.. وأذناي على أهبة الاستعداد لخطف أي كلمة تصدر من لسانه قبل مغادرة فمه...
    "وليد... أأأ.. لم أعلم أنك هنا".
    لم يرد..
    قلت:
    "كنت.. أعتقد أنك... مسافر".
    لم يرد..
    قلت:
    "متى عدت؟"
    أجاب أخيرا:
    "قبل أيام".
    قبل أيام؟؟ أنت هنا منذ أيام... وأنا لا أعرف؟؟
    قلت:
    "لم...يخبرني سامر عن عودتك...!!"
    ثم أضفت:
    "حمد لله على سلامتك".
    رد مقتضبا:
    "سلمك الله".
    انتظرت منه أن يخبرني عن أي مبرر لعدم إحاطتي علما بعودته... أو بمجيئه إلى منزل خالتي الآن... ولما لم أر منه المبادرة لشيء سألت:
    "و... كيف هي أحوالك؟"
    فنطق مجيبا ببرود:
    "بخير".
    ولم يسألني عن حالي أنا...
    سمعت صوت باب المنزل فالتفت إليه ورأيت حسام وأباه يقفان هناك... يراقبانني عن بعد..
    وعندما عدت بنظري إلى وليد رأيته وقد مد يده إلى قبضة البوابة يوشك على فتحها.
    قلت:
    "هل أنت مستعجل؟ هل ستذهب الآن؟؟"
    قال:
    "مررت لجلب الكتب قبل سفري".
    توقف قلبي عن النبض وانحشرت أنفاسي في صدري...
    قلت مذهولة:
    "ستسافر؟؟"
    قال:
    "نعم".
    قلت:
    "متى؟"
    أجاب:
    "غدا".
    صعقني الخبر... ستسافر يا وليد؟؟ هكذا.. دون أي اعتبار لي؟؟ دون أن تخبرني لا عن حضورك ولا عن سفرك.. دون أن تفكر بالمرور علي ولو لإلقاء تحية عابرة؟؟
    نفضت يدي من الرمال التي علقت بهما, ثم مددتها إلى السور المحيط بالأشجار والمجاور لي واستندت عليه محاولة الوقوف لكن قواي المنهارة بسبب وليد لم تسعفني..
    اقترب وليد مني أكثر.. ورأيته ينحني ويمد يد العون لي..
    نظرت إليه بتدقيق.. لم تمكنني النظارة من رؤيتة ما كنت أبحث عنه...
    مددت إليه يدي اليمنى... والتي كانت مجبرة فيما مضى... وطليقة الآن...
    وأحسست به يتردد قبل أن يقرب يده يريد الأمساك بها ليساعدني على النهوض.. غير أنني تجاوزت يده ومددت يدي أكثر نحو وجهه.. وانتزعت نظارته...
    الآن.. يمكنني أن أسبح في بحر عينيه.. الآن.. أستطيع أن أغوص في أعماقه وأبحث عن نبضاته.. عن الحنان الذي يغلفني به.. عن الرعاية التي يحيطني بها.. عن العطف الذي يغمرني به..
    لكن.. للذهول.. لم أقرأ شيئا من هذا في عينيه..
    كانتا باردتين برود الرياح المثلجة في القطب الجنوبي.. جامدتين جمود الجبال الجليدية... خاليتين من أي دفء.. أي شوق.. أي اهتمام.. وأي معنى..
    ارتجف فكي الأسفل من برودة وليد... التي أوشكت أن تصير صيف ذلك النهار شتاء قاسيا... اهتز قلبي... وارتعدت يدي فأوقعت النظارة أرضا..
    كان حسام قد وصل يتبعه أبوه.. يسألاني إن كنت بخير..
    وليد سحب يده التي كانت ممدودة إلي.. ومدها إلى النظارة يريد التقاطها...
    فحركت يدي وأمسكت بيده أريد أن أشعر بأي ذرة دافئة فيه..
    وليد أراد أن يسحب يده فأحسست به يستل خنجرا كان قد طعنه في صدري..
    لم أقو على ذلك.. فاضت الدموع في عيني وهتفت وأنا أجذب يده وأنهض معتمدة عليها وأقول منهارة أمامه:
    "لا تفعل هذا بي يا وليد... أنا لا أتحمل.."
    وزفرت زفرات باكية بألم وأنا متشبثة بذراعه وهو واقف كشجرة جامدة... لم يحرك ساكنا...
    سلطت النظر على عينيه... والآن.. أرى فيهما الكثير.. الكثير..
    إنهما عينا وليد قلبي اللتان ما فتئتا تحيطاني بالرعاية منذ طفولتي...
    ورأيت الحمرة تعلوه وزخات من العرق تسيل على صدغيه.. أهذا بسبب الشمس الحارقة؟؟ أم بسبب النار المضرمة في صدري أنا..؟؟
    قلت وأنا متعلقة بذراعه:
    "خذني معك..."
    علت الدهشة وجه وليد فقلت:
    "أريد العودة معك.. إلى بيتنا".
    وليد نظر إلي من خلفي ثم عاد إلي وأراد تخليص ذراعه من يدي..
    فما كان مني إلا أن شددت الضغط عليها أكثر وقلت:
    "خذني معك أرجوك".
    وليد قال:
    "إلى أين؟"
    قلت مندفعة:
    "لا يهم. سأذهب معك إلى أي مكان".
    وليد أزاح يدي عن ذراعه.. ورأيت عينيه تلقيان نظرة عليها وشعرت بيده تشد بلطف عليها... ثم تركها ورجع خطوة للوراء.. وقال:
    "يجب أن أذهب الآن.. زوجتي تنتظرني".
    واستدار موليا ظهره إلي وببساطة اختفى عن ناظري.. مثل السراب...
    زوجتي تنتظرني... زوجتي تنتظرني... زوجتي تنتظرني...
    لفت الجملة برأسي حتى أصبت بالدوار وترنحت وجثوت فجأة على الأرض...
    رأيت حسام يظهر أمامي منجنيا على الأرض وهو يقول:
    "هل أنت بخير؟؟"
    أغمضت عيني فأنا لم أقو على تحمل سطوع الشمس المعشية... وحالما فتحتهما لم أجد غير حسام قريبا مني...
    بحثت يمنة ويسرة...
    هل كنت أحلم؟؟
    هل كان وليد هنا؟؟
    لا لم يكن..
    كان وهما.. خيالا.. تهيؤا رسمه قلبي الشغوف به وعيني الملتهفة للقائه..
    نظرت إلى البوابة... إلى الحيز الذي توهمت أن وليد كان يشغله قبل قليل... تمنيت لو أن طيفه بقي عالقا هناك... أردت أن أنهض وأعانق جزيئات الهواء التي لامست جسده... لكنني عجزت عن الانهيار بجذعي على السرور...
    سمعت صوت حسام يناديني... وأحسست بيديه تمسكان بي... نظرت إليه فإذا بي أراه يحملق بي وعطف... ويقول:
    "لا بأس عليك... هلمي بنا إلى الداخل".
    وساعدني على النهوض... وفيما أنا أنهض لمحت نظارة شمسية سوداء ملقاة على الأرض بالقرب مني...
    التفت إلى حسام وسألت بضياع:
    "هل كان وليد هنا؟؟"
    ولم يقل حسام شيئا... فانحنيت والتقطت النظارة وتأملتها وهتفت:
    "لقد كان وليد هنا... لقد تركني ورحل... رحل مع الشقراء... لماذا فعل هذا بي؟؟ لماذا تركني؟؟"
    حسام جذب النظارة من يدي وألقى بها على العشب وقال:
    "تخلصي من هذا يا رغد... إنه لا يستحق".
    أطلقت صيحة من أعماق قلبي وهتفت:
    "كلا... كلا... وليد لن يرحل بدوني... لن يرحل بدوني... لن يرحل بدوني..."

    *****************************


  • #3

    ۞لَا إلَه إلا الله مُحَمَّد رَسُوْل الله ۞

     

    الحالة : دمعة فرح غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Jul 2010
    رقم العضوية: 1921
    الدولة: ملتقى المغتربيين السوريين
    الإهتمامات: الانمي
    العمر: 34
    المشاركات: 11,160
    الحالة الإجتماعية: مخطوبــة
    معدل تقييم المستوى : 1405
    Array










  • #4

    ۞لَا إلَه إلا الله مُحَمَّد رَسُوْل الله ۞

     

    الحالة : دمعة فرح غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Jul 2010
    رقم العضوية: 1921
    الدولة: ملتقى المغتربيين السوريين
    الإهتمامات: الانمي
    العمر: 34
    المشاركات: 11,160
    الحالة الإجتماعية: مخطوبــة
    معدل تقييم المستوى : 1405
    Array

    الحلقة السادسة والأربعون

    عد إلـــــيّ


    انقضت فترة العزاء وقد شاركت في التعزية مع بقية أفراد عائلة خالتي, وعندما جاء دوري ووقفت أمام الشقراء لأواسيها لم أستطع مصافحتها بسبب يدي المصابة واكتفيت بعبارة مخنوقة خرجت من فمي ببطء.

    والشقراء بدورها ردت بشكل عابر دون أن ترفع نظرها إلي.. لكن الحزن جليا على وجهها.
    السيدة ليندا كانت طيبة وقد أحسنت معاملتي وسهرت إلى جانبي في المستشفى ورعتني بكل مودة ولطف... رحمها الله... وغفر خطاياها...
    متى سيحين أجلي أنا أيضا؟؟...
    أنتظر الموت.. ليأخذني كما أخذ أحبابي... ويخرجني من شقايا الدنايا وما فيها...
    كنت أعرف أن وليد موجود في القسم الآخر من قاعة التعازي.. وكنت أعرف أنه أبعد ما يكون عن التفكير بي في هذه الفترة.. لكنني كنت في شوق منجرف لرؤيته ولو لدقيقة واحدة... ولو لنظرة بعيدة عاجلة... أعانق فيها عينيه ولو لآخر مرة في حياتي...
    ولخيبة الأمل وتحالف الأقدار ضدي, عدنا إلى المنزل دون أن ألتقي به ولا حتى صدفة..
    ومرت الأيام... ونخر الشوق عظامي.. وأتلف الحنين ذهني...
    ولم أعد بقادرة على الانتظار يوما آخر.. كيف... وأنا أعرف أن ما يفصلني عنه هي أميال قليلة لا أكثر...؟؟ وأن هو لم يأت إلي... فسأذهب أنا إليه... فقط لألقي نظرة...
    "هل أنت مجنونة!؟"
    قالت نهلة معترضة على فكرتي وليدة اللحظة.. فقلت:
    "نعم مجنونة.. لكني أريد أن أراه بأي شكل يا نهلة..أكاد أختنق.. لا أحد يحس بي هنا".
    قالت:
    "تخيلي كم سيكون وضعك حرجا ومدعاة للسخرية عندما تذهبين فجأة إلى المزرعة الآن... هيا رغد.. تخلي عن هذه الفكرة السخيفة... توفيت أم زوجته قبل أيام وأنت تفكرين في هذا؟؟"
    قلت:
    "سألقي عليه التحية وأعتذر منه وأعود... حتى لو لم يرد علي... المهم أن تكتحل عيناي برؤيته... ويبرد صدري بتقديم الاعتذار..."
    فقالت:
    "ماذا سيقول عنك يا رغد؟؟ هو في محنة عظيمة وأنت تذهبين لتقديم الاعتذار! سيستحقر موقفك... ليس هذه وقته.. انتظري أسبوعين على الأقل".
    هتفت:
    "لا أقوى على الانتظار... ألا تفهمين؟؟ أنتِ لا تشعرين بالنار المضرمة في صدري..."
    أشاحت نهلة بوجهها عني وقالت:
    "لقد حذرتك... افعلي ما تشائين".
    وغادرت المكان...
    خرجت بعد ذلك إلى الحديقة...طلبا لبعض الهواء النقي... والتقيت بحسام صدفة وهو مقبل نحو المنزل... فلمعت الفكرة في بالي كمصباح قوي أعشى عيني عن رؤية ما هو أعمق من ذلك...
    "مرحبا حسام".
    حييته فرد مبتسما:
    "مرحبا رغد.. ماذا تفعلين هنا؟؟ تدربين رجلك على المشي؟؟"
    قلت وآمالي تتعلق به:
    "حسام.. هلا أسديت إلي معروفا؟"
    قال وعلى وجهه الاستغراب:
    "بكل سرور!"
    فقلت بلهفة:
    "أريدك أن.. أن تصطحبني في مشوار.."
    فسأل:
    "إلى أين؟"
    ازدردت ريقي وقلت:
    "إلى... مزرعة أروى".
    سأل متعجبا:
    "مزرعة أروى؟؟"
    "نعم.. أرجوك".
    ففكر قليلا ثم سأل:
    "لماذا؟؟"
    ترددت في الإجابة.. عرفت أنني لو قلت من أجل مقابلة وليد فإنه لن يوافق.. فقلت:
    "سأتفقد أحوالهم.. وألقي التحية".
    وبدا مبررا معقولا بعد عدة أيام على وفاة السيدة ليندا.. وسألني إن كنت قد أعلمت خالتي بهذا فأقنعته بأن الأمر لا يستدعي... وبعد تردد قصير وافق على اصطحابي, وخرجنا مباشرة...
    حين بلغنا المزرعة لم يكن وليد موجودا وأخبرنا العجوز والذي كان يجلس كعادته قرب باب المنزل بأن وليد قد ذهب في مشوار وسيعود قريبا.. ودعانا للدخول لكننا آثرنا البقاء في الخارج وانتظاره.. وذهب العجوز لاستدعاء الشقراء فعلاني التوتر.. أنا لم آت من أجلها كما أنها لا تنتظر مني زيارتها.. لكني وضعت نفسي في هذا الموقف وعلي التصرف الآن..
    أبدى حسام إعجابه بالمزرعة وراح يتحدث عن انبهاره بما يرى غير أنني لم أكن مركزة السمع معه.. بل في انتظار لحظة ظهور الشقراء..
    وأخيرا ظهرت...
    ملفوفة في السواد الحزين, كما هي حالي.. وكأن عدوى اليُتم والبؤس قد انتقلت مني إليها...
    وقد اعتدت في الماضي رؤيتها ملونة بشتى ألوان قوس قزح.. مثل سرب من الفراشات أو إكليل من الزهور...
    عندما اقتربت زممت شفتي ترددا ثم ألقيت عليها التحية وسألتها عن أحوالها.. وأنا متأكدة من أنها تدرك أنني لم أكن لأقلق على أحوالها أو أترث لها.. ولا بد أنها تدرك أن سبب حضوري هو... وليد...
    ساعد وجود حسام في تلطيف الجو.. وتشتيت الكآبة وصرف أذهاننا إلى الحديث عن المزرعة وشؤونها..
    ذهبت الشقراء لإعداد القهوة فوجدتها فرصة للاسترخاء من عناء الموقف المصطنع.. وبقي حسام والعجوز يتحدثان أحاديث عادية... أما أنا فعيناي ظلتا ترقبان البوابة إلى أن رأيت أخيرا سيارة تقف عندها ومنها يخرج مجموعة من الرجال... يقودهم الرجل الطويل العريض.. بهي الطلعة قوي القسمات ثاقب النظرات.. مضرم ناري وحارق جفوني وسالب عقلي وشاغل تفكيري.. حبيبي الجافي.. وليد قلبي..
    الأرض لم تكن أرضا والسماء لم تكن سماء... حين عانقت عيناي عينيه.. والتحمت نظراتي بنظراته..
    آه.. كيف لي أن أصف لكم؟؟
    لحظتها خلا الكون من كل الخلائق... سوانا... لا وجود للأرض ولا السماء... ولا النور ولا الهواء... ولا الجماد ولا الأحياء... فقط... أنا وهو... وعيون أربعة متشابكة متلاحمة... ذائبة في بحور بعضها البعض... أيما ذوبان...

    وليد قلبي... آه... كم اشتقت إليك... لو لا إعاقتي... لربما... ركضت إليه بجنون وغطست في حضنه الواسع...

    اقترب وليد يتقدم بقية الرجال فوقفنا جميعا... ورأيت الدهشة تنبثق في وجهه وهو يحط ببصره الهابط من العلا علي وعلى حسام..
    بادر حسام بإلقاء التحية فرد وليد دون أن يحاول إخفاء عجبه.. ودوى صوته في كهف أذني فتطايرت خفافيش حسي تلتقط وتحتضن ذبذبات صوته وتخبئها في أعماق الكهف... ككنز من الذهب...
    بعد التحيات السريعة استأذن وليد وسار مع الرجال إلى قلب المزرعة ولحق العجوز بهم... ولحقت بهم عيناي ركضا... وهوَتا متعثرتين لهفة عند مفترق الطرق...
    وبعد قليل عاد وليد فتسابقتا لاحتضانه بسرعة... تكاد الواحدة تفقأ الآخرى... لتنفرد بالحبيب الغائب... وتذوب في أعماق صدره...
    وليد كان وجهه محمرا ويعلوه الاستياء فوق التعجب.. انغمست في ترجمة تعبيرات وجهه وطلاسم عينيه... فتهت... وظللت طريقي... وفقدت أي قدرة لي على النطق والتعبير.. وقفت أشبه بشجيرة ظئيلة لا جذع لها تمد أغصانها محاولة تسلق الشجرة الضخمة الواقفة أمامها.. بكل شموخ...
    لاحظ حسام صمتي وتوتري فتولى الكلام:
    "جئنا نلقي التحية نسأل عن الأخبار".
    ولم يتحدث وليد.. فقال حسام متظاهرا بالمرح:
    "ألن تدعونا للجلوس؟"
    فتكلم وليد أخيرا قائلا:
    "أنتما بمفردكما؟"
    فأجاب حسام بعفوية:
    "نعم".
    وازداد الاستياء على وجه وليد... ثم قال:
    "منذ متى وأنتم هنا؟"
    فرد حسام مستغربا:
    "منذ دقائق.. ولكن.. هل يزعجكم حضورنا؟"
    قال وليد:
    "أنا آسف ولكن لدي ما أقوم به الآن.. إنهم في انتظاري".
    مشيرا إلى قلب المزرعة..
    كل هذا وعيناي ملتحمتين بوجهه منذ أن وقعتا عليه أول وصوله... لكن..
    ماذا يا وليد؟ ألن تتحدث معي.. وتسأل عن أحوالي..؟؟ إنك حتى لا تنظر إلي.. أنا هنا وليد هل تراني؟؟ هل تميزني؟؟ لماذا كل هذا الجفاء؟؟ أرجوك.. التفت إلي لحظة.. دع عيني تخبرانك كم اشتقت إليك.. دعهما تعاتبانك على جفاك.. أو تعتذران لأرضائك.. وليد..إنك حتى.. لم تتحسن الترحيب بنا كأي ضيوف..
    انتبهت على صوت حسام يقول:
    "لا بأس.. نعتذر على الزيارة المفاجئة.. كانت فكرة رغد"
    ولذكر اسمي.. اخيرا تكرم على وليد بنظرة.. لكنها لم تكن أي نظره.. كانت حادة وساخنة جدا لسعتني وكادت تفقدني البصر..
    حاولت التحدث فلم تسعفني شجاعتي المنهارة بمرآى الحبيب.. تأتأت ببعض الحروف التي لم أسمعها أنا..
    التفت إلى حسام وقال:
    "هل نذهب؟"
    نذهب..؟؟ وهل أتينا؟؟ هكذا بهذه السرعة؟؟أنا لم أكد أراه.. انتظر.. أنا لدي عشرات بل الآلاف المشاعر لأعبر عنها.. دعني استرد أنفاسي.. دع لساني يسترجع قدرته على النطق.. دعني واقفة قرب وليد أستمد دعمه وأستشعر حنلنه!
    قال وليد وهو يشيح بوجهه حنانه!
    قال وليد وهو يشيح بوجهه عني:
    "سأرافقكما"
    فقال حسام معتقدا وليد يقصد مرافقتنا إلى السيارة المركونة في الخارج:
    "لا تكلف نفسك.. نعرف الطرق.. شكرا"
    فازداد احمرار وجه وليد وقال:
    "أعني إلى المنزل"
    فضربنا الاستغراب.. ونظرنا أنا وحسام إلى بعضنا البعض!! لماذا يريد وليد مرافقتنا إلى المنزل؟؟ هل هذا يعني.. سيأتي معنا؟؟ هل حقا سيأتي معنا؟؟
    "هيا فأنا لا أريد التأخر على ضيوفي"
    قال هذا وسار يسبقنا نحو سيارة حسام.. وسرنا خلفه كتلميذين مطيعين.. أبلهين.. حتى ركبنا السيارة والتي بالكاد حشر وليد جسده فيها.. وانطلقنا عائدين إلى منزل خالتي..
    كنت أجلس خلف حسام,إذ إن وليد كان قد دفع بمقعده إلى الوراء لأقصى حد ليمد رجليه.. فسيارة حسام صغيرة جدا..
    الصمت خيم علينا طوال الطريق.. الذي انقضى وأنا أحاول تهدئة نبضات قلبي وإعادتها إلى معدل سرعتها الطبيعي... ولم يقطع الصمت غير جمل قصيرة عابرة من طرف حسام.. وجملة(خفف السرعة) من لسان وليد.. فقاد حسام السيارة بسرعة عادية على عكس عادته...وطال المشوار.. خصزصا وأننا اضطررنا للتوقف مرتين عند مركزي تفتيش بوليسي...
    وفي كلا المرتين يطلب رجال الشرطة رخصة القيادة والبطاقات الشخصية.. ولحسن الحظ أو ربما لحسن العادة كان وليد يحمل صورة بطاقته العائلية والتي تشمل هويتي...
    لذلك قال وليد بعدما قادرنا نقطة التفتيش الثانية مخاطبا حسام:
    "ماذا لو لم أرافقكما؟"
    فقال حسام:
    "لم نواجه أي نقاط في طريق الحضور".
    عندما وصلنا إلى المنزل هبط وليد من السيارة أولا وتبعناه...
    قال حسام:
    "تفضل".
    داعيا إياه للدخول إلى المنزل من باب اللياقة... غير أن وليد قال:
    "شكرا, لدي ضيوف كما تعلم سأعود إليهم".
    فقال حسام:
    "هل.. أوصلك؟"
    فأجاب وليد:
    "سأتدبر أمري".
    ثم فجأة أدار وجهه نحوي وقال:
    "في المرة القادمة إذا أردت الذهاب إلى أي مكان فاطلبي ذلك من سامر فقط.. مفهوم؟"
    هل هو يخاطبيني؟؟
    هل يعنيني أنا؟؟
    هل ينظر إلي أنا؟؟
    كان حسام يوشك على فتح بوابة المنزل ولما سمع هذا استدار ونظر إلى وليد وقال مستاء:
    "وهل ستظن أنني سأختطفها مثلا؟ إنها ابنة خالتي كما هي ابنة عمك".
    وبدا أن الجملة قد استفزت وليد فقال غاضبا:
    "أنا لم أتحدث معك.. هذا أولا.., أما ثانيا فلا تقارن نفسك بي.. إنني الوصي هنا ومن يقرر مع من أسمح أو لا أسمح لابنة عمي بركوب السيارة".
    شعر حسام بالإهانة فقال حانقا:
    "هكذا..؟؟.. من تظن نفسك؟"
    فرد وليد:
    "لا أظن نفسي بل أنا على يقين ممن أكون... وإذا سمحت.. افتح الباب ودع الفتاة تدخل عوضا عن الوقوف في الشارع هكذا".
    هنا... اجتاحتني شجاعة مفاجئة فتدخلت ناطقة أخيرا:
    "وليد أنا..."
    وقاطعني وليد فجأة قائلا بفظاظة:
    "ادخلي".
    نظرت إليه شاعرة بالانكسار... وليد... كيف تخاطبني هكذا؟؟ وليد هل نسيت من أكون؟؟ لماذا تغيرت إلى هذه الدرجة؟؟ دعني أتحدث..
    وأصررت على النطق... أريد أن أفهم وليد لماذا ذهبنا إلى المزرعة وما مقدار لهفتي إليه... وحاجتي للتحدث معه...
    "وليد..."
    نطقت باسمه فإذا به يقاطعني مكررا بفظاظة أشد وهو يعض على أسنانه ويبث الشرر من عينيه:
    "قلت إلى الداخل... هيا".
    انكمشت على نفسي... تقلصت حتى أوشكت على الاختفاء... من رد وليد...
    حسام فتح الباب وقال بصوت خافت:
    "ادخلي يا رغد".
    فدخلت خطوة, وتوقفت عند فتحة الباب وانقلبت على عقبي ورأيت وليد يولي ظهره إلينا ويسير مبتعدا...
    اقترب حسام ووقف أمامي مباشرة حائلا دون رؤية وليد... فتراجعت للوراء ودخلنا إلى الداخل... وأغلق هو البوابة وسار مبتعدا وبقيت عيناي معلقتين على بوابة السور أحملق فيها... نظرت إليه فرأى تعبيرات الأسى المريرة على وجهي.. فأقبل نحوي وأظهر التعاطف قال:
    "إنه... لا يكترث بك يا رغد".
    نظرت إليه والعبرة تكاد تختفي... فقال:
    "لا أعرف ما الذي يعجبك في رجل كهذا؟ إنك تضيعين مشاعرك هباء".
    صعقت.. وأخذتني الدهشة من كلام حسام.. الذي واصل وهو يرى سحنتي تتغير:
    "أتظنين أنني لا أعرف أنك تحبينه؟ أنا أعرف يا رغد".
    وتضاعف ذهولي وحملقت به غير مصدقة لما أسمع...
    قال حسام:
    "سارة لفتت انتباهي لهذا ذات مرة.. والآن تصرفاتك كلها فاضحة.."
    مازلت أحملق فيه بذهول... عاجزة عن التعليق...
    تابع هو:
    "لكنني لن أقف مكتوف اليدين يا رغد.. سبق وأن وافقت على الزواج مني.. وهي الآن مسألة وقت.. إياك والتلاعب معي... إياك..."
    وأشار إلي بسبابته مهددا... ثم استدار وواصل طريقه داخلا إلى المنزل...

    *************************

  • صفحة 95 من 120 الأولىالأولى ... 45859394959697105 ... الأخيرةالأخيرة

    معلومات الموضوع

    الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

    الذين يشاهدون الموضوع الآن: 6 (0 من الأعضاء و 6 زائر)

    المواضيع المتشابهه

    1. لا تعـوّدني على [ قـربك ] كثـير
      بواسطة سوسن في المنتدى ملتقى الثقافة و الأدب و الشعر و القصص والروايات
      مشاركات: 0
      آخر مشاركة: 03-11-2010, 05:13 AM

    الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

    مواقع النشر (المفضلة)

    مواقع النشر (المفضلة)

    ضوابط المشاركة

    • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
    • لا تستطيع الرد على المواضيع
    • لا تستطيع إرفاق ملفات
    • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
    •  
    Untitled-1